AHMED CHOUCHANE

Flage1

Chouchane

 

ـ 14 ـ

الأزمة الجزائرية

شاهد من قلب الأحداث

بقلم : النقيب أحمد شوشان | الجمعة 12 فبراير  2010

الفصل الخامس

ملاحظة:

في هذا الفصل بعض الاستطرادات والتعليقات على يومياتي منذ وصلت إلى بريطانيا سقتها من باب التوضيح من موقع المتأمل في الأحداث وليس من موقع الشاهد عليها أرجو الانتباه إليها.

الجزء الأول

أول درس في بريطانيا

عندما وطئت قدماي أرضية مطار هيثرو بلندن لم يكن في وجداني العميق أي مكان للوطن الذي يعيش فيه الشعب البريطاني. فالصورة التي تشكلت عندي من خلال الثقافة الوطنية التي اكتسبتها منذ ولادتي هي للمملكة البريطانية الخرافية التي لم تكن الشمس تغيب على أمبراطوريتها؛ بريطانيا الإقطاعية التي تستعبد الشعوب المستضعفة وتدوس على كرامتها بدون رحمة ولا شعور إنساني؛ بريطانيا الاستعمارية المتسببة في مآسي الشعب الفلسطيني والشرق الاسلامي ودول إفريقيا.....الضمان الوحيد الذي جعلني أختارها كبلد للجوئي هو السيادة التي تتمتع بها كدولة وكشعب وخصومتها التاريخية مع فرنسا؛ كنت متأكدا – أو هكذا بدا لي على الأقل – بأن بريطانيا إذا سمحت لي بالإقامة على أرضها كلاجئ سياسي فإن سلامتي أصبحت مرتبطة بسيادتها الوطنية التي لا تساوم عليها كدولة عظمى لها مؤسسات عريقة في السيادة على قراراتها. وكان هذا بالنسبة لي ثاني انتصار أحققه على الدوائر المجرمة في الجزائر بعد أن تمكنت من تجنب التورط في الحرب القذرة التي دفعت إليها أغلبية الشعب الجزائري وعلى رأسها عشرات الآلاف من زملائي الضباط في مؤسسة الجيش وملحقاته الأمنية (الدرك والمخابرات و الشرطة).

الهاجس الأول الذي كان يسيطر على تفكيري هو احتمال مساومتي من طرف المخابرات البريطانية بصفتي ضابطا في القوات الخاصة متهما بتدبير انقلاب في الجزائر. والهاجس الثاني كان فرضية احتوائي من طرف تنظيم سري محسوب على الإسلاميين تراقبه مخابرات دولية ينتهي بتوريطي في قضايا لا ناقة لي فيها ولا جمل. ولذلك فقد أكدت لضباط الهجرة الذين استجوبوني بأنني أرفض رفضا قاطعا أي مساومة على مهمتي كضابط سابق في الجيش الجزائري كما طلبت منهم تحديد المدينة التي يمكنني العيش فيها بعيدا عن الشبهات مقابل تحملهم كامل المسؤولية على علاقتي بالمحيط الاجتماعي الذي سأعيش فيه لمدة ستة أشهر على أقل تقدير، يمكنني بعدها أن أرتب علاقتي بالناس على بينة من أمري وأتحمل المسؤولية على ما يترتب على ذلك. وقد كان لي ما أردت وتم تحديد إقامتي في مدينة ليفربول التي وصلت إليها ليلة السبت 29 نوفمبر 1997.

عندما وصلت إلى محطة نقل المسافرين في ليفربول بعد منتصف الليل وجدت في انتظاري شابا لاجئا من أكراد العراق نقلني بسيارته إلى شقة مفروشة من ثلاث غرف في الطابق الثالث. وعندما أصبحت وجدت صاحبة العمارة في انتظاري. إنها كردية مطلقة أم لولد من أحد أمراء الخليج العربي لم تتجاوز26 سنة تملك 3 عمارات من 14 طابقا وعقارات بالملايين في مدينة ليفربول وحدها عدا ما تملكه في لندن.... من حق القارئ أن يتساءل عن علاقة هذا الكلام بشهادتي على الأحداث في الجزائر، ولكنني أعتقد أن مشكلتنا في الجزائر وفي العالم العربي كله هي في الحصار المضروب على المواطنين وفي سياسة التجهيل والتضليل التي مورست عليهم إلى درجة لم تتسبب لهم في التخلف فحسب بل جعلت شعوبنا تعيش خارج عصرها تماما. فلا يمكنني أن أرى ما تملكه هذه المطلقة الوافدة على بريطانيا دون أن يمتلئ الأفق أمامي بصور ملايين الكرديات اللاتي يعشن البؤس في أحراش كردستان ولا أتصور أن كردية أو عربية مثلها ستتمتع في دولة كردستان القومية أو في أي دولة أو إمارة عربية بما تتمتع به هذه المطلقة المجهولة في بريطانيا. وإذا علمنا بأن 60% على الأقل من سكان ليفربول البريطانيين الأصليين لا يملكون الشقق التي يسكنونها فإننا سنرى بوضوح معنى أن تكون مقيما في بلد مثل بريطانيا. فما تملكه هذه المطلقة الوافدة لم ولن يجعلها مواطنة من درجة أولى كما أن عدم قدرة البريطانيين الأصليين على شراء مساكنهم لن يحولهم إلى مواطنين من درجة ثانية لأن المقيم في بريطانيا يتمتع بالحقوق الأساسية الغير قابلة للمراجعة من طرف أي حاكم والتي تضمن له العيش بكرامة كإنسان بغض النظر عن جنسه وعنصره أو وضعه الاجتماعي والمدني ثم يبقى مجال التنافس خارج هذه الدائرة المحمية بشرعية المواطنة مفتوحا للجميع حسب ما توفر لديهم من إمكانيات مادية ومعنوية في إطار ما تسمح به القوانين المتجددة باستمرار. والشاهد فيما تقدم هو أن المواطن العربي عموما والجزائري بصفة خاصة تعرض إلى عملية ترويض قسرية سببت له تبلدا في الإحساس إلى درجة أنه فقد الشعور بقيمة المواطنة وما تقتضيه من فرض الوجود في واقع الحياة وواجب الدفاع عن ذلك الوجود بجميع السبل الممكنة. فالمواطن الجزائري اليوم يتصرف في بلده كمهاجر غير شرعي لدى السلطة التي احتلت بلاده؛ فهي التي تحدد نوعية إقامته حسب ما تقتضيه ظروفها؛ فهذه السلطة المجرمة تمنح وسام الأثير في حالة الرضى على بعض المواطنين حتى ولو كانوا أنذل الأنذال في منطق العقلاء فيصدق المساكين أنهم أصبحوا حكماء من أهل الفضل والرأي ويفرحون بذلك في بلاهة تستدعي الشفقة عليهم كما يتظاهرون بالفرح عندما تتيح لهم هذه السلطة فرصة التصفيق والصياح بشعارات الوطنية بمناسبة مباراة في كرة القدم أو تدشين مرفق اجتماعي طال انتظاره. وهي ذاتها السلطة التي تلبس الشرفاء جلباب الخيانة والجريمة والإرهاب وتمنعهم من التعبير عن معاناتهم سلميا إن سخطت عليهم حتى ولو كانوا أوفى من الوفاء للوطن فيبتئسون لذلك ويحزنون ويستكينون للأمر الواقع دون أن يفكروا في الدفاع عن أنفسهم حتى بالأساليب التي تقرها الضباع والذئاب في عالم الحيوان وكأن هذه السلطة أصبحت الرب الذي لا راد لقضائه عن هذا الشعب. فجرى قدرها عليه فتحول في أقل من عشرية من شعب يطمح إلى مزاحمة الكبار في ركب الحضارة إلى لئام تتزاحم على موارد الانتحار.

إن حب الوطن والإخلاص له لا يكتمل إلا إذا أحسسنا إحساسا كاملا بالإرتباط الوثيق بين واجب الإلتزام الطوعي نحو الوطن من جهة وحق التمتع بالمواطنة الكاملة فيه دون الحاجة إلى قانون ولا تزكية من أحد كائنا من كان من جهة أخرى. هذا الإحساس الذي يرسخ في وجداننا قيم الفضيلة ويوقد فينا شعلة الكفر بكل أشكال المساومة على مواطنتنا ويزودنا بالقوة المتدفقة اللازمة للصمود في وجه الخونة والمفسدين في الأرض ومحاربتهم والقصاص منهم حتى ولو تجلببوا بالأعلام الوطنية وتعلقوا بعرصات مقام الشهيد أو دفنوا في مقبرة العالية مع شهداء ثورة التحرير المجيدة.

إن الشعب البريطاني بشر مثلنا يمشون على رجلين وينظرون بعينين ويتكلمون بلسان وشفتين يأملون و يتألمون مثلنا ويأكلون ويشربون ويموتون مثلنا تماما. ولكنهم شعب سيد لا يقبل الاستعباد من أحد كائنا من كان. لقد جعلوا المواطنة محمية محرمة غير قابلة للاختراق يتحصن فيها المواطن البريطاني ومن كان في حكمه من ضيوف المملكة المتحدة وليس من حق أي إنسان أن يستبيح حرمتها تحت أي مبرر لأن ذلك يعتبر اعتداء على سيادة هذا الشعب واستقلاله... إن حكام بريطانيا كلهم وبدون استثناء موظفون لدى شعبهم ومكلفون بخدمته والسهر على أمنه وتوسيع محمية المواطنة بترقية الحقوق الأساسية للإنسان البريطاني؛ فمن كان من هؤلاء المواطنين المستخدمين في مؤسسات الدولة قادرا على الوفاء بما تتطلبه الوظيفة قلده الشعب صفة الحاكم وجازاه على حسن الأداء بالتكريم الذي يليق به. أما من لم يكن جديرا بذلك فإنه سيجرد من تلك الصفة ويحاسب على التقصير باسم الشعب صاحب السيادة والسلطان. أما الحاكم فله أن يكرم من يشاء باسمه الشخصي ومن ماله الخاص حتى ولو كان شاذا ولكن دون أن يضفي الكرامة على السفهاء والأنذال باسم الشعب أو الدولة خارج قيمها الوطنية. لقد تابعت مناسبات تكريم باسم الدولة البريطانية ورأيت كيف يمجد العلماء والباحثون والمسؤولون الذين ساهموا بجهد مفيد في خدمة وطنهم ومجتمعهم. ورغم أن هذه الدولة علمانية ليبرالية تقدس الحرية الشخصية وتشجع الفن بدون قيود إلا أنني لم أسمع بتكريمها لفاسق أو فاسقة في عرف المجتمع البريطاني فضلا عن منحه وساما وطنيا لم يمنح حتى لشهداء ثورة التحرير.

فما الذي يمنعنا من الإقتداء بهدا الشعب في هذه الخصلة الانسانية المحمودة. و أنا هنا أتكلم عن العلاقة بين البريطانيين كشعب تربطه وحدة المصير رغم تعدد أعراقه وثقافاته ولست بصدد الكلام عن السياسة الخارجية البريطانية التي تحكمها اعتبارات أخرى.

فهل يعقل أن يثمن مواطن بريطاني مثلا موقفي كضابط في الجيش من الحرب القذرة التي أعلنتها القيادة العسكرية على الشعب الجزائري في الوقت الذي يتزاحم فيه الآلاف من أبناء وبنات الشعب الجزائري المطحون للخدمة كجنود لدى هذه القيادة الإقطاعية فيساهموا بذلك في توسيع دائرة الخصومة ويعمقوا الشعور بالحقد والكراهية بين أبناء الشعب الواحد؟... إن هذا الخلل في تعاطي شعبنا مع قيمة المواطنة كان له أثر كبير على تداعيات الأزمة السياسية التي عصفت بالجزائر منذ سنة 1992 وانتهت بها إلى التسيب العام سنة 2009 رغم محاولات التقويم الترقيعية التي قامت بها السلطة بعد فقدانها للسيطرة على مجريات الأمور. ولذلك فإنه لا يمكن بحال من الأحوال النهوض بالجزائر إلا إذا تم إصلاح هذا الخلل الخطير... وهو أمر ممكن إذا استثمر كل مواطن منا ما يتمتع به من قوة معنوية قد يكون وهو في غفلة من ضميره يوظفها في الاتجاه الخطإ. ولا بأس في هذا المقام أن أرفع الستارعن مشهد من واقع الحياة التي عشناها للتأمل فيه في هذا الزمن الذي تفشت فيه الرداءة والفساد، لعل الأجيال القادمة تستفيد منه.

لقد كنا ضباطا برتب مختلفة في الجيش ولم يكن الكثير منا يملك سيارات ولا منازل في الوقت الذي كان بعض ضباط الصف الذين كانوا غسالين عند زوجات بعض القيادات الفاسدة يملكون أفخم السيارات ويتاجرون في سوق العقار؛ وكنت أنا شخصيا عندما أسافر في الحافلة أستحي من المواطنين عندما يجلسني السائق في المقعد الأول احتراما للرتبة التي أحملها وغالبا ما كنت أتنازل عن المقعد لغيري وأفضل السفر واقفا لأن ذلك يشعرني بالارتياح رغم طول المسافة بين الجزائر العاصمة والقرارة. لقد كنت أرى أن الحل ليس في تكريس هذه الطبقية بين الجزائريين ولكن في ترقية مستوى الأداء في تسيير مؤسسات الجيش الوطني الشعبي بما يضمن لضباطه وجنوده الحد الأدنى من الكرامة بعيدا عن حقوق باقي المواطنين. لقد كنا نتقاضى مرتبا يكفينا لاقتناء سيارات بالتقسيط على الأقل ولكننا كنا نقتسم مرتباتنا مع المرؤوسين من جنود الاحتياط في الكتائب التي نقودها والذين لم توفر لهم قيادة الجيش في ذلك الوقت ثمن السفر أثناء الخروج في إجازة. كنا نفعل ذلك تطوعا واستجابة لشعور الأخوة الوطنية التي تربطنا بهؤلاء المرؤوسين الذين من حقهم الذهاب في إجازة ومن واجب الجيش كمؤسسة أن توفر لهم ذلك. ولكن إخلال المؤسسة بواجبها لم يكن يبرر في تصورنا للأمور التخلي عن مساعدتهم للإستفادة من إجازتهم حتى ولو كان ذلك على حسابنا وخارج ما يلزمنا به القانون كضباط. ولكننا في المقابل كنا إذا تم تحويلنا من مدينة إلى أخرى في إطار الخدمة العسكرية نستأجر شاحنة ننقل فيها أمتعتنا وكنت إذا وصلت إلى مقر عملي الجديد قصدت الحي العسكري الأقرب إلى الثكنة وبحثت عن أي شقة فارغة ودخلتها مع عائلتي دون انتظار الإذن من أحد ثم التحقت بعملي. وعادة ما يتسبب هذا السلوك مني في زوبعة يقيمها ضابط الشؤون الاجتماعية وبعض القيادت على مستوى القطاع العسكري للمنطقة ولكنها تنتهي بالتسليم للأمر الواقع تفاديا لما هو أعظم... وأنا بهذا السلوك أوفر على نفسي وقتا ثمينا أقضيه في القيام بمهامي الجديدة فور وصولي وأوفر على نفسي عناء البحث عن الضباط المخمليين المسؤولين عن هذه الخدمات والتجول بين مكاتبهم كالمتسول على أبواب البخلاء وفي نفس الوقت أحدد طبيعة العلاقة بيني وبين القائمين على هذه المصالح التي كنت اعتبرها بؤر فساد. فأنا من حقي أن أسكن وما دام السكن موجودا فمن واجبهم أن يقوموا بالإجراءات الإدارية اللازمة التي لا أقبل أن تؤخرني عن الالتحاق بعملي تحت أي مبرر حتى ولو كان قانونيا. وما دمت لا أفعل ما أفعل في إطار البزنسة والاعتداء على حق الغير فأنا واثق من أن هذه الشراذم البيروقراطية الجائعة لن تستطيع فعل شيء يقلقني. وهذا ما ينبغي على العاملين في الإدارة الجزائرية اليوم وفي كل مؤسسات الدولة أن يفهموه فلا يحاولوا أن يتخذوا من وظائفهم ذريعة لابتزاز المواطنين الشرفاء الذين هم في الأصل مسخرون لخدمتهم.

واليوم، رغم قطعي لحبل الرجاء في توبة من كانت بأيديهم مقاليد الأمور لأنهم اختاروا طريق الانتحار لهم ولنسلهم من بعدهم، فإنني أبعث بهذا النداء لأولئك الضباط الذين عرفتهم وخبرت معدنهم الطيب والذين عاشوا معاناة أبناء الجزائر البسطاء في صفوف الجيش الذي هو الصورة المصغرة للمجتمع الجزائري أن يردوا الاعتبار لتلك المشاعر الوطنية الأصيلة التي كانوا يتحلون بها والتي عملت على استئصالها العصابة المارقة بقيادة اللواء نزار خالد منذ سنة 1992 وأحثهم على بذل الجهد في توسيع دائرتها إلى باقي مؤسسات الدولة عسى أن يعود للجزائر توازنها الذي سيمكن أبناءها المخلصين من النهوض بها من الكبوة المميتة التي أصابتها. وبقدر ما تهاوت القيادة العسكرية السابقة في دركات الخيانة والجريمة والفساد بقرارها الآثم سنة 1992 فإن أمام الجيل الجديد من القيادة العسكرية فرصة للإرتقاء في سلم الفضيلة والنزاهة والوفاء للوطن ومن الحماقة تضييعها بالمراهنة على التخندق في بيت العنكبوت الذي يتواجدون فيه منذ إقحامهم في الحرب القذرة التي ستعود الكلمة الأخيرة فيها للمواطنين المخلصين للجزائر عاجلا أو آجلا إن شاء الله رغم أنف المدافع والطائرات والتعاون مع الحلف الأطلسي وروسيا والصين.

قضايا اللجوء في بريطانيا

بعد أن استكملت إجراءات الإقامة في مدينة ليفربول أبلغت بأنني ممنوع من العمل ولكن مصلحة الضمان الاجتماعي ستتكفل بتسليمي منحة أسبوعية لتغطية مصاريفي اليومية وبدفع مستحقات السكن والدواء والمحامي كما أنني معفي من الضريبة البلدية وأن من حقي التسجيل في معهد أختاره بنفسي لدراسة اللغة الانجليزية على حساب الدولة. وفيما عدا الإستجابة لدعوة مصالح الهجرة عند الطلب فإنني أتمتع بكامل الحرية التي يتمتع به أي مواطن بريطاني رغم أن إقامتي مؤقتة...

اتصلت بوكالة محاماة قريبة من مقر سكني وعرضت قضيتي على الأستاذ المشرف عليها وكان ضابطا سابقا في الهجرة وصاحب خبرة طويلة في المحاماة وطلبت منه أن يختار لي مترجما عربيا قادرا على ترجمة ما أقوله بدقة، فعين لي مترجما من أصول يمنية بقي معي إلى نهاية المطاف كما عين محامية للتواصل معي ومتابعة ملفي عن كثب. والغريب أنني عندما عرضت عليه المحاور الأساسية في القضية قال لي: أنا لا أحتاج إلى بذل جهد في قضيتك لأن شروط حصولك على صفة اللاجئ السياسي متوفرة بقوة ولكن المطلوب منك هو توفير الدليل المادي الذي يثبت هويتك كبطاقة هوية أو رخصة سياقة وكذلك شهادة من أي جهة معروفة تثبت علاقتك بأي فصل من فصول المأساة التي عشتها. وقد استغرق مني ذلك وقتا طويلا لأن كل وثائقي المدنية كانت محفوظة لدى وزارة الدفاع بالجزائر منذ انخراطي في الجيش سنة 1978 أما وثائقي العسكرية فقد صادرتها مديرية الأمن العسكري بعد اعتقالي سنة 1992. ومع ذلك فقد تمكنت من الحصول على صور تذكارية من أرشيف الاكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة كنت أقدم فيها عرضا لميدان التكوين الخاص لوفد عسكري أردني عراقي زار الجزائر سنة 1991 ومنها صور مع الوفد الذي ترأسه وزير الحربية الأردني والعميد محمد العماري والعميد غدايدية وصور ثنائية مع العميد قائد القوات الخاصة الأردني. أما الشهادة فقد سلمتني منظمة العفو الدولية وثيقة تثبت أن المحامي بشير مشري أخبرها عن عملية اختطافي من سجن الحراش من طرف المخابرات في الوقت الذي كان وفد من هذا المنظمة على وشك اللقاء بالرئيس ليامين زروال وقد رفعت المنظمة في وقتها مذكرة احتجاج كتابية لدى الرئيس الجزائري تم على إثرها إطلاق سراحي. كما أن وكالات الأنباء كلها تكلمت عن عملية الاختطاف. وبتوفير هذين العنصرين تم منحي حق اللجوء السياسي والإقامة الدائمة في بريطانيا بعد 18 شهرا من الانتظار.

وبعد استكمال كل الإجراءات استأذنني المحامي في التعامل مع قضيتي كدراسة حالة تقدمها المحامية المتابعة لملفي كبحث علمي لنيل شهادة الماجستير فأذنت له. وهنا بدأت مشوارا جديدا في تتبع مضاعفات الأزمة الجزائرية التي تعدت آثارها حدود الجزائر.

ومما علمته هو أن أكثر من 70% من قضايا اللجوء في بريطانيا قدمها جزائريون معارضون للمشروع الإسلامي أصلا. حيث أن أسباب اللجوء المقدمة هي الخوف من الإرهاب الذي يمارسه الإسلاميون وعجز السلطة في الجزائر عن حماية مواطنيها زيادة على نسبة لا بأس بها من التذرع بالقضية البربرية. وفعلا رغم بقائي في ليفربول 18 شهرا فإنني لم ألتق إسلاميا واحدا فيها رغم وجود نادي محسوب على الجزائريين مشهور لدى أجهزة الأمن بليفربول كوكر للجريمة المنظمة وتهريب المخدرات والأسلحة عبر المحيط الأطلسي. و لم أستوعب ما علمته في ليفربول إلا بعد أن انتقلت إلى برمنجهام ولندن لأتأكد من أن أغلب الإسلاميين الموجودين هناك في الحقيقة إما مقيمين غير شرعيين أو مقيمين بوثائق فرنسية. والحقيقة أنه باستثناء جماعة يعدون على الأصابع فإن أغلب المحسوبين على المشروع الاسلامي لم يهتموا بطلب اللجوء إلا بعد أن يئسوا من إمكانية العودة إلى الجزائر كما أن أغلبية الاسلاميين المعروفين اليوم لم تكن لهم علاقة بالمشروع الاسلامي في سنوات التسعينات. ولو عدنا إلى تاريخ استفادة الجزائريين من اللجوء لوجدنا أن أغلب الاسلاميين رغم سابقتهم في الهجرة إلى بريطانيا فإنهم لم يستفيدوا من حق اللجوء إلا بعد سنة 1996 عندما تعرضت المناطق السكنية للاسلاميين في الجزائر إلى مجازر رهيبة لا تقل وحشية وبشاعة عن عمليات الإبادة الجماعية المصنفة كجرائم ضد الإنسانية. ومنذ ذلك التاريخ أصبح تقمص صفة الاسلامي لدى طالبي اللجوء هي الغالبة وتدفقت من الجزائر موجات من الإسلاميين المزيفين كان الغرض من تسهيل تدفقهم خلط الأمور على مصالح الهجرة البريطانية التي اقتنعت في مرحلة ما بجدية الاضطهاد الذي يتعرض له الاسلاميون في الجزائر.

وقد تزامن هذا التدفق المشبوه مع حملة إعلامية مسعورة قادتها الجرائد الجزائرية المفرنسة بالتعاون مع بعض جرائد الإثارة المحلية في بريطانيا من أجل تشويه سمعة الإسلاميين وإثارة الشبهات حولهم. وفي نفس الوقت ظهرت مراكز للبحث والدراسات في فرنسا وكندا تفرغت لتزويد مصالح الهجرة في العالم عموما وفي بريطانيا خصوصا بتقارير عن الوضع في الجزائر تدفع كلها إلى وضع طالبي اللجوء الجزائريين في خانة الاتهام وتوفر كل المبررات القانونية والموضوعية لرفض طلباتهم كما تدفقت التقارير الكاذبة إلى مصالح المخابرات البريطانية في محاولة لمحاصرة اللاجئين الجزائريين تحت عباءة التعاون الأمني والحرب على الإرهاب.

وقد وجد المحامون الانجليز أنفسهم في مأزق كبير أمام الرفض الجماعي لملفات طلب اللجوء التي تقدم بها الجزائريون. وقد اتصل بي بعض منهم بتوصية من موكليهم الجزائريين طالبين مني المساعدة، ففضلت أن يكون تدخلي أمام القضاء وليس أمام مصالح الهجرة. ولعل مثالا واحدا من تلك التدخلات يوضح الخسة التي تعاملت بها السلطة في الجزائر مع مواطنيها حتى بعد تهجيرهم من ديارهم. كما يجيب عن التساؤل حول إدراج المواطنين الجزائريين في خانة المشبوهين لدى مصالح الهجرة الأمريكية والأوروبية.

المعني بالأمر جزائري مجاهد أشرف على السبعين من العمر، أمي لا يعرف الكتابة ولا القراءة، سجن وعذب وصودرت أمواله سنة 1993 وشرد رغم أن المحكمة الخاصة في النهاية أعلنت عن براءته من التهم المنسوبة إليه. ولكن الحملة التي تعرض لها من طرف الصحافة المفرنسة في الجزائر والتي تتهمه بأنه كان مفتي الجماعة الاسلامية المسلحة التي أعدمت الرهبان الفرنسيين في تبحيرين سنة 1994 والتقارير المصاحبة لها من طرف أجهزة الأمن الجزائرية والتي تتهمه بتكوين جماعة إرهابية في الخارج زيادة على تقارير مركز الدراسات في كندا كانت كافية لأقناع مصالح الهجرة البريطانية برفض طلبه اللجوء ليكون مصيره الترحيل والمحاكمة على أساس التهم الموجهة إليه. ونزل هذا القرار على الشيخ المسكين وعجوزه المنهكة كالصاعقة وأصيبا منذ ذلك الحين بداء السكري ووقعت محاميته في حيرة من أمرها فاتصلت بي من أجل المساعدة بعد أن طعنت في القرار للمرة الثانية دون فائدة... و جاء يوم المحاكمة وكنت حاضرا فيها كشاهد.

فتحت الجلسة وتكلم ممثل النيابة ضابط الهجرة وبرر إصرار مصالح الهجرة على قرار الرفض بحزمة من التقارير نشرها أمامه. وعندما أحيلت الكلمة للدفاع قدمتني المحامية كشاهد لصالح الدفاع وكان القاضي قد استلم كل المعلومات اللازمة عن الشهود قبل موعد الجلسة. فقلت باختصار: السيد رئيس الجلسة أنا لا أريد أن أدخل في مناظرة مع السيد وكيل النيابة ولكنني متأكد من أن المعلومات التي سمعتها لا تمت إلى الحقيقة بصلة لأنني لا يمكن أن أكذب نفسي في أمور عشتها وأصدق ما يقوله مركز دراسات في كندا أو ما يدعيه أناس أنا شاهد على تورطهم في المأساة الجزائرية المحزنة. فهذا الرجل اتهم من طرف الصحافة الجزائرية بأنه كان مفتي لجماعة إسلامية مسلحة وأنا اشهد وأتحمل كامل المسؤولية على شهادتي الآن وفي المستقبل بأن هذا الرجل كان معي في السجن في الوقت الذي وقعت فيه الحادثة كما أشهد عن علم يقين أن هذا الرجل لا يجرؤ على الكلام في أمور الدين مهما كانت بسيطة فضلا عن الفتوى في قضايا الدماء وقد اتهمته المخابرات الجزائرية بتشكيل جماعة إرهابية على الأراضي البريطانية واستصدرت في حقه مذكرة توقيف عالمية بموجب ذلك نيابة عن السلطات البريطانية فهل توصلت المخابرات البريطانية التي تابعت هذا اللاجئ منذ وصوله إلى بريطانيا إلى أي شبهة تؤكد هذه الدعوى؟ إذا كان لدى السيد النائب تقرير أمني بريطاني يتهم هذا اللاجئ فأنا لن أسمح لنفسي بالتعليق عليه. أما إذا كان المعول عليه هو ما تقدم به أمام المحكمة فإنني ألفت انتباهكم سيدي القاضي إلى أن الحملة الظالمة التي استهدفت هذا اللاجئ لا تدع مجالا للشك بأن دوائر أمنية مجرمة تريد إلحاق الأذى به بكل السبل، وعندما تكون التهم الباطلة الموجهة إليه من قبيل اعدام 6 رهبان أبرياء وإنشاء جماعة ارهابية في بريطانيا يمكنكم تقدير حجم التهديد الذي ينتظر هذا الرجل إذا تم ترحيله إلى الجزائر... وجه إلي القاضي اسئلة أخرى متفرقة رسخت لديه الاقتناع بصدق شهادتي ثم توجه إلى ممثل مصالح الهجرة قائلا: هل لديكم تقارير أمنية بريطانية عن هذا اللاجئ تؤكد ما تقدمتم به؟ أجاب الضابط بغيظ اجتهد في كظمه: نحن نتعامل مع مراكز دراسات ذات مصداقية ولها سمعة عالمية في تمحيص المعلومات.... وبكلام رزين مشبع بالثقة فاجأنا القاضي بتدخله الحاسم قائلا: السيد شوشان منح حق اللجوء في هذا البلد من طرف مصالح الهجرة بعد التأكد من صدق ما صرح به في محاضر الاستجواب وقد شهد أمام المحكمة بناء على معايشته للأحداث  ولن أسمح لنفسي برد شهادته أمام تقارير صادرة عن مراكز دراسات لم تأخذ شهادته بعين الاعتبار. وانتهت جلسة المحاكمة بقبول الطعن في الحكم السابق والذي لم يكن يعني سوى حصول المعني بالأمر على اللجوء السياسي. ومثل هذه القضايا كثيرة.

والمشكلة الحقيقية التي تدل على أن مؤسسات الدولة الجزائرية بدون استثناء ضربت في العمق فأصبحت أدوات لذبح الشعب الجزائري أن كل هذه الأحكام والتهم المزورة في حيثياتها والمشوهة لسمعة الأبرياء والبشعة في قساوتها وخستها... كلها تصدر باسم العدالة الجزائرية. فعندما يتهم طالب جامعي متميز مقيم في الخارج بطريقة شرعية منذ 25 سنة ومسجل بطريقة رسمية لدى القنصلية الجزائرية ويلتقي في كل المناسبات مع المسؤولين الجزائريين الذين منحوه شهادات حسن السلوك طول مدة إقامته ويشهد له العام و الخاص بحسن الخلق والاستقامة...عندما يتهم هذا الطالب بالمشاركة في معركة دموية وقعت في عمق الصحراء الجزائرية أسقطت فيها طائرة هلكبتر وقتل فيها أكثر من عشرة ضباط سنة 1996 ويحكم عليه بالإعدام غيابيا دون علمه ولا علم أحد من أهله ولا حتى السفارة التي هو مسجل فيها وهو لم يدخل الجزائر منذ غادرها سنة 1991 إلى اليوم. فإن هذا لا يعني سوى شيئا واحدا وهو استباق شرعنة إعدام الأبرياء خارج إطار القانون. مما يدل دلالة قاطعة على أن التعقيدات التي تواجهها المصالحة اليوم تم الإعداد لها من طرف مهندسي المأساة الوطنية على جميع المستويات. فالدوائر المجرمة المتورطة في إراقة دماء الجزائريين ليست مقصورة على اجهزة الأمن وحدها بل إن هذه الدوائر تقاسمت الأدوار القذرة على مستوى جميع مؤسسات الدولة الجزائرية خاصة مؤسسة القضاء والإدارة. وبالتالي فإن المراهنة في تحقيق المصالحة على نفس الأشخاص الأشرار الذين خططوا لهذه المأساة المرعبة ضرب من أحلام اليقظة.

علاقتي بالإسلاميين في أوروبا

و أبدأ هذه الفقرة بتكذيب ما جاء على لسان اللواء نزار خالد في جريدة (الفيجارو) الفرنسية سنة 2002 عندما ادعى بأنني إسلامي ومتطرف وأنني كنت على علاقة  بالمتطرفين الإسلاميين في لندن. فأنا رغم اهتمامي بكل ما يتعلق بالقضية الجزائرية إلا أنني لم أرتبط بأي علاقة لا عابرة ولا خاصة مع من يعرفون بالتطرف إلى هذه اللحظة والحمد لله. وقد قامت علاقتي مع الجالية المسلمة منذ وصولي إلى بريطانيا على قاعدة الأخوة الإيجابية والإحترام المتبادل مع الجميع دون التقيد بإطار تنظيمي كان أو فكري.

الإسلاميون الجزائريون في بريطانيا

يمكنني القول وبكل ثقة بأن لكل الجاليات الموجودة في بريطانيا كيانات تجمعها وتعكس خصوصياتها الثقافية والدينية والسياسية باستثناء الجالية الجزائرية بمختلف توجهاتها فهي عبارة عن أفراد متشرذمين لا يجمعهم إطار تنظيمي من أي نوع كما أنهم أتباع لغيرهم في كل شيء، ابتداء من العقيدة التي محلها القلب إلى اللباس الذي يتغير بتغير الأحوال. فأنت تسمع بالشخصيات المشهورة التي توجه الرأي العام للجالية وتقوده على جميع المستويات وتترأس المؤسسات الاجتماعية والثقافية والتجارية وغيرها من الهند و باكستان واليمن ومصر وسوريا والسودان والأردن وفلسطين وليبيا وتونس والمغرب واريتيريا والصومال وجمايكا... ولكن الجزائريين لا وجود لهم خارج الطوابير والتبعية. فهم إما عناصر أكاديمية مستغرقة في خدمة المؤسسات الصناعية والعلمية التي توظفها إلى درجة أنستهم أنهم بشر لهم هوية حضارية أو مواطنون ينتمون إلى شعب له تاريخ مجيد ورسالة إنسانية تفرض عليهم إثراء المجتمع الذي يعيشون فيه بما لديهم من أمجاد وقيم ؛ بل إنهم فرطوا حتى في فلذات أكبادهم التي أصبحت خلقا هجينا لا هوية له؛ فلا هم أنجليز ولا هم جزائريون رغم انهم يحملون الجنسيتين. وهذا حال الكفاءات العلمية التي لا أثر لها لا في حياة الجالية ولا في المجتمع البريطاني... فأنا منذ 12 سنة لم أصادف جزائريا واحدا يتمتع باعتبار اجتماعي قدم من خلاله شيئا يذكر للجالية الجزائرية في بريطانيا. وقد تجد شراذم من الجزائريين الكادحين أو المتواجدين في بريطانيا بطريقة غير شرعية يتقاذفهم السماسرة من كل الأجناس. فهؤلاء تبع لأبي قتادة وأولئك تبع لعمر بكري وهذا مملوك للمنتدى الاسلامي والآخر خادم لدى الإغاثة الاسلامية وبعضهم مريدون لهذا النادي أو تلك العصابة وقليل منهم منهمكون في العمل ليلا ونهار لجمع المال بما في ذلك بقايا ما يسمى بالجزائريين الأفغان وأنصار الجبهة الاسلامية للإنقاذ... إلا النادر ممن رحم الله. بل إن الجزائريين من أتباع التنظيمات الاسلامية العالمية مثل جماعة الإخوان المسلمين وغيرها لا تجدهم إلا في قسم المطابخ أو دورات المياه في حين تجد المشارقة من المصريين والشوام يتصدرون المجالس ويتربعون على مواقع الريادة ومنابر التوجيه حتى ولو كانوا أسفه الناس. ولذلك فإن الكلام عن نشاط الاسلاميين الجزائريين في بريطانيا ليس سوى اسطوانة إعلامية من إخراج الدوائر المسيرة للأزمة الدموية في الجزائر. والحقيقة هي أن الجزائريين لم يتمكنوا حتى من إنشاء جمعية أهلية لتعليم أبنائهم أصول ثقافتهم وهويتهم الوطنية فضلا عن النشاط خارج هذه الدائرة. ولذلك فإن الزوبعة المثارة حول الاسلاميين الجزائريين من طرف الإعلام الجزائري والبريطاني خمدت بمجرد معالجة ملفات أبي حمزة المصري وأبي قتادة الفلسطيني وعمر بكري اللبناني مما يدل على أن الجزائريين السذج لم يكونوا سوى حطبا للنار التي يسطلي عليها غيرهم من أذكياء الشعوب الأخرى باسم الإسلام. وقد كانت أجهزة الأمن البريطانية تعرف كل التفاصيل المتعلقة بالموضوع ولذلك وجدت السلطات الجزائرية صعوبة كبيرة في توريطها من أجل التعاون معها لتصفية حساباتها مع الاسلاميين.

المركز الاسلامي للدراسات ببريطانيا

وكان أول من تعرفت عليه من الجزائريين في نفس السنة (1997) الدكتور (أ.ب) الباحث في الاقتصاد الاسلامي خريج جامعة شيفيلد البريطانية ونائب مدير المركز الاسلامي للدراسات وهو شاب فاضل من منطقة الجنوب تربطه علاقة زمالة مع أخي وابن عمي الدكتور عثمان منذ الدراسة الجامعية في الجزائر. وقد تعرفت من خلاله على كثير من الإخوة الجزائريين وغير الجزائريين خاصة بعد أن خلفت الأخ (ن.ح) في تسيير المكتبة التابعة للمركز والمعروفة باسم دار الأرقم.

ورغم أن المركز كان يصدر مجلة شهرية إسلامية ذات طابع سياسي تحت عنوان  (السنة) ويقوم بنشاطات ذات طابع خيري واجتماعي إلا أنني حاولت أن تبقى علاقتي بالمركز كمؤسسة علاقة عمل صرفة رغم أن تطورها على الصعيد الشخصي مع بعض العاملين في المركز بلغ مرتبة قصوى من الأخوة والمحبة المتبادلة.

وقد تعرفت على مدير المركز الشيخ محمد سرور زين العابدين وجمعتني به لقاءات عديدة ولكنني حددت إطار العلاقة معه منذ أول مقابلة. فقد تجاذب معي أطراف الحديث في أول لقاء، وكانت لديه معلومات مستفيضة عن الوضع في الجزائر اكتسبها من خلال متابعته لما يكتب ويقال في الصحف والكتب ومن خلال مناقشاته ولقاءاته مع مختلف المهتمين بالشأن الجزائري الذين يرتادون مجلسه... ولكنني لمست منه استنكارا لما حدثته به من خلال تجربتي الشخصية خاصة فيما يتعلق بالاسلاميين فصدمني ذلك، ليس استياء من ردة فعله على حديثي، ولكن لما شعرت به من خيبة الأمل في طبيعة تعاطي الإسلاميين مع قضيتهم حتى الخاصة منهم. فما كانت تتداوله الأوساط الإسلامية عن الوضع خاصة تلك التي كانت تحاول التوعية وترشيد العمل الإسلامي كان بعيدا عن واقع الحال. وأتذكر أنني عندما أخبرت الشيخ محمد سرور بأن حسن حطاب لم يكن سوى ضحية لجماعة الهجرة والتكفير تورط في التآمر على قيادة الحركة الاسلامية المسلحة لم يستطع أن يخفي غضبه وقال لي: معلوماتك غير دقيقة... فضحكت في نفسي وقلت: أنا أحدث الشيخ عن جندي محسوب علي وكان مرؤوسا عندي وتسبب في اعتقالي ومحكوم عليه في قضيتي بالإعدام وكان بيني وبينه تواصل قبل مغادرتي الجزائر، فيرد علي بما يتناقله القصاصون الجدد في شوارع لندن وباريس... فقررت منذ ذلك الحين أن لا أخوض معه في موضوع الجزائر، واقتصرت علاقتي به على صدق الأخوة والاحترام الذي يقتضيه مقامه كشيخ له سابقة في الدعوة إلى الله.

وبعد سنوات اقتنع الشيخ بضرورة المساهمة في تهدئة الأوضاع في الجزائر وفي الوطن العربي كله فقام بمبادرته التي طلب فيها من المسلحين تسليم أنفسهم إذا أعطيت لهم ضمانات الأمان وخص بالنداء المسلحين في الجزائر وكان ممن استجاب لندائه حسان حطاب. ففهمت عندئذ أن الذين كانوا يزودون الشيخ بالمعلومات عن الوضع في العشرية الحمراء كانوا من أنصار الصراع الدموي بين الجزائريين وهم أنفسهم من زوده بالمعلومات التي ساعدته على الاقتناع بضرورة التهدئة عندما انقلبوا على أعقابهم.

ورغم أن عملي مع الإخوة في مركز الدراسات كان مساعدا لي على الاستقرار والاستفادة من أرشيفه السياسي الغني بالمعلومات مما دفعني إلى بذل أقصى الجهد من أجل ترقية أداء المكتبة وتنظيم الأرشيف إلى درجة جعلت المكتبة شريانا حقيقيا لتزويد الجالية الاسلامية بل وغيرها من المهتمين بالبحث العلمي والأكاديمي في مجال  الدراسات الإسلامية واللغة العربية في أوروبا بما يحتاجونه من مراجع علمية متخصصة وثقافية متنوعة... إلا أن النهاية المأساوية التي انتهى إليها المركز تركت في نفسي انطباعا سيئا جدا عن العمل مع الإسلاميين لما يتميز به من الارتجالية وغياب روح المسؤولية لدى القائمين عليه.

فبعد أحداث سبتمبر كانت مظاهر التضييق على الإسلاميين واضحة وتنذر بمستقبل صعب وكان لا بد من التفكير في السبل الكفيلة بمواجهة تداعيات ذلك الحدث المشؤوم. ولكن بدلا من العمل على تعزيز الحضور الإيجابي للمركز وتوسيع دائرة عمله إلى نطاق أوسع فضل القائمون على المركز بيعه ليصبح متجرا للأكلات الخفيفة وينتقلوا إلى العيش في دول الشرق الأوسط ويتركوا الجالية المسلمة المسكينة في بريطانيا دون مورد علمي نقي تتزود منه. كما أن بيع المركز جاء في وقت كنا في أمس الحاجة له حيث أنشأ بعض الإخوة النادي الثقافي العربي الذي كنا نطمح من خلاله إلى تأسيس محضن نموذجي لأبناء وبنات المسلمين من جالية شمال إفريقيا والشرق الأوسط يتعلمون فيه اللغة العربية ويتلقون فيه تربية إسلامية نقية تمكنهم من التعايش الإيجابي في المجتمع الغربي الذي قدر لهم أن يعيشوا فيه. ولست بحاجة هنا للتذكير بأنه رغم الدعم المادي الذي تتلقاه المؤسسات الإسلامية في بريطانيا من دولها وشعوبها ومن الحكومة والمؤسسات الخيرية البريطانية ومن طرف المحسنين المسلمين فإن شباب الجالية الإسلامية في بريطانيا يعاني من ضياع فظيع يدفعه نحو المخدرات والشذوذ والانحراف الذي تؤكد فظاعته نسبة الشباب المسلمين في السجون البريطانية في الوقت الذي يزداد القائمون على هذه المؤسسات التي تعتبر وقفا للمسلمين ثراء واسترخاء وتتعاظم ألقابهم وتتكاثر مناصبهم الرسمية ووظائفهم السامية وأوسمتهم الشرفية.

ومن الذكريات الطريفة أنني في يوم من الأيام تلقيت توصية من طرف الأخ (أ.ب) نائب المدير يطلب مني فيها مساعدة شاب جزائري يسمي نفسه قيس من مواليد مدينة سطيف يريد إنشاء مكتبة علمية خاصة به فاستقبلت الأخ واتفقت معه على أن يقتني ما يشاء من الكتب و يسدد ما عليه بالتقسيط المريح وكان المبلغ الاجمالي بعد المراعاة في حدود 2000 جنيه استرليني. وقد التزم الأخ بالاتفاق بضعة أشهر ثم عاد ليطلب منا إرجاع الكتب إلينا بذريعة أنه مضطر للسفر إلى فرنسا ولا يمكنه نقل المكتبة معه فوافقته على إرجاع الكتب ولكنني رفضت تعويضه المبلغ المدفوع نقدا وكان في حدود 500 جنيه. ونظرا لعدم امتلاكه لحساب بنكي فقد طلبت منه أن يتفق مع أي صديق يثق فيه أكتب له شيكا بالمبلغ باسمه. وفعلا سلمته شيكا ب 500 جنيه باسم أحد أصدقائه. وبعد حوالي ثلاثة أشهر دخل إلى المكتبة ضابطان من وكالة المخابرات الأمريكية وضابط من المخابرات البريطانية وسألاني عن علاقتي بالقاعدة. فقلت أنا أسمع عن القاعدة في وسائل الإعلام ولكنني لا أصدق بوجودها في الواقع. فقال الضابط الامريكي: كيف لا تصدق بالقاعدة وأنت تمولها؟ قلت: أنت تضحكني لأنني عندما كنت أنا ضابطا مثلك لم تكن أنت انخرطت بعد في جهاز المخابرات ولا شك أن رفيقك من المخابرات البريطانية قد أخبرك عني... لم يكن ينتظر مني هذا الجواب ولذلك مد يده مباشرة إلى محفظته وأخرج نسخة من الشيك وقال: و هل تعرف صاحب هذا الحساب؟... لم أتذكر اسم صاحب الحساب ولكنني تذكرت أنه الشيك الذي سلمته لقيس. قلت : أنا لا أعرفه و لكنني سأحيلك على مدير المركز. فاتصلت بالدكتور أحمد وأخبرته بما جرى وقلت له: لدي الملف الكامل لمعاملة قيس ولكنني لا أعرف اسمه الحقيقي ولذلك أحيلهم عليك للتعرف على هوية قيس ريثما أحضر الملف وألتحق بكم. وبعد دقائق جئتهم بالملف كاملا ويحتوي على التفاصيل الدقيقة للمعاملة مع قيس فتبين أن صاحب الحساب مصري عضو في تنظيم القاعدة فعلا تربطه علاقة صداقة مع قيس وقد استعمل حسابه. والظاهر أن أجهزة الأمن اعتقلت هذا المصري في إطار قضية من القضايا وتم تتبع حسابه البنكي مما أدى إلى اعتقال قيس ثم الوصول إلينا من خلال الشيك المسلم له. ولما تطابقت تصريحات قيس المسجون سرا في لندن مع التوضيحات التي قدمناها لضباط المخابرات والوثائق التي تضبط المعاملات مع زبائننا خاصة عندما علموا بأننا رفضنا التعامل مع قيس نقدا من أجل توثيق مصاريفنا فقد بدد ذلك كثيرا من الهواجس التي عشعشت في رؤوس أجهزة المخابرات على المركز نتيجة الوشاية والتحريض على هذا المركز بالذات فاعتذروا على الإزعاج وعادوا أدراجهم بتصور غير الذي جاءونا به.

وقد جمعتني لقاءات أخرى كثيرة جدا بإخوة من مختلف الجماعات الاسلامية الجزائرية وغيرها تمحصت من خلالها معلوماتي واتسع أمامي أفق النظر في تطور الأحداث المتعلقة بهذه الجماعات. كما استفدت معلومات كثيرة جديدة ساعدتني بفضل الله وتوفيقه على ضبط علاقتي بالناس بكل مسؤولية واتخاذ مواقفي بكل ثقة وبصيرة بعيدا عن تأثير المعركة الدائرة بين إرهاب الحكومات وإرهاب الجماعات وبعيدا أيضا عن مزالق النفاق والمجاملات التي لا محل لها من الإعراب في لغة القضايا والمبادئ.

الجبهة الاسلامية في سويسرا

كان أول لقاء جمعني بإخوة ممثلين للجبهة الإسلامية للإنقاذ في الخارج في سويسرا سنة 2002 خلال زيارتي الأخوية للمحامي الأستاذ رشيد مسلي الذي كان لاجئا هناك. والتقيت بهذه المناسبة بكل من الأخ الدكتور مراد دهينة والأخ الدكتور عباس عروة وتجدد لقائي بهم في مناسبة أخرى مع مجموعة أخرى من الإخوة أثناء تشاورهم بخصوص مؤتمر الجبهة في الخارج. وقد نصحت الإخوة بعدم بعث أي مشروع سياسي باسم الجبهة الإسلامية في ظل الإختلاف القائم بين قياداتها والتشرذم الذي ابتليت به قواعدها ناهيك عن انحراف كثير من قياداتها وعناصرها على أكثر من صعيد. زيادة على أن الإخوة الذين بادروا إلى إقامة المؤتمر رغم إخلاصهم ومستواهم التعليمي العالي لم يكونوا في نظري يتمتعون بالشخصية الاعتبارية التي تمكنهم من تحمل تبعات الاستحواذ على الجبهة الاسلامية والتحكم في التناقضات التي تتجاذبها رغم التزكيات والدعم الذي حشدوه من طرف بعض قيادات الجبهة و رموزها. ولذلك فقد كان موقفي من مبادرة الإخوة كالاتي:

استعدادي التام للنصح لهم والتعاون معهم فيما أعتقد أنه يحقق المصلحة للجزائر.

استعدادي للعضوية في تنظيم سياسي علني جديد يتم تحديد إطاره وبرنامجه من طرف الإطارات الجزائرية المنخرطة فيه كأفراد تراعى فيه معطيات الواقع الجديد ويستفاد في تأسيسه من التجربة الديمقراطية الفاشلة في الجزائر.

رفضي القاطع للإنتماء إلى أي تنظيم يقوم على مشروع وضعه أو يضعه أوصياء غير الأعضاء المؤسسين للتنظيم مهما كانت هويتهم وانتمائهم أو مكانتهم.

وللأمانة أقول إن علاقتي بالإخوة وتعاملهم معي كانت في شفافية تامة وأخوة صادقة واحترام متبادل. ولذلك لم تكن لي علاقة خارج هذا الإطار لا بمؤتمر الجبهة الذي انعقد في الخارج ولا بتأسيس حركة رشاد ولا بغير ذلك من النشاطات.

ولا يفوتني أن أسجل هنا بأنني تناولت موضوع الجزأرة ودور رجالها في مسيرة الجبهة مع الإخوة في سويسرا والمحسوبين على هذا التيار وخاصة الدكتور مراد دهينة وذلك من خلال نقاش مطول اقتنعت في نهايته بأن مساعي هؤلاء الإخوة لا علاقة لها بالحرب الباردة التي شغلت التيار الإسلامي بنفسه عقودا من الزمن وتسببت في الفشل الذريع لمشروعه الحضاري في الجزائر.

كما استفسرت منهم ومن غيرهم بعد ذلك عن موضوع الهيئة التنفيذية للجبهة في الخارج والتي كان يرأسها الأخ رابح كبير وساءني ما علمته من سوء الأداء الذي تم به تسيير هذه الهيئة إلى درجة تدفع كل عاقل إلى المطالبة بفتح تحقيق بشأنها لأن الذين تمتعوا على حساب معاناة المنكوبين يجب أن يعرفوا قدر أنفسهم سواء قاموا بذلك باسم إنقاذ الجمهورية أو باسم إقامة الدولة الاسلامية. ومن ساءه تعرضي لهذا الموضوع فأنا أستسمحه من ذلك ولكن عليه أن يوضح الأمور للرأي العام ويبرئ ذمته لأن هذه القضايا ليست ذات طابع شخصي و ليس من حق أحد حجبها على الرأي العام.

المقدم محمد سمراوي و ظهوره على قناة الجزيرة

اتصل بي الأخ حسين أوقنون المشرف على موقع الضباط الأحرار وأخبرني بأن قناة الجزيرة تعتزم إجراء حوار مع المقدم سمراوي الذي انتهى من تأليف كتاب "أحداث سنين الجمر" وأن هذا الأخير سيزور لندن بتاريخ 30 جويلية 2001 و طلب مني زيارته في لندن للتعرف على الأخ سمراوي والتشاور في موضوع الحوار الذي سيجريه مع الجزيرة لأن منشط الحصة أحمد منصور طلب حضوري أيضا، فقبلت الدعوة والتقينا قبل موعد الحصة بليلتين تعرفت خلالهما على الأخ محمد سمراوي واطلعت على فصول من مسودة كتابه وناقشته في بعض ما جاء فيه. وقد وضحت للأخ سمراوي بأن كثيرا من معلومات المخابرات لم تكن دقيقة لأنها مبنية على تقارير فيها كثير من الخلط والكذب زيادة على صياغتها بنية مبيتة وخلفية سياسية غير موضوعية. كما وضحت له بعض نقاط الظل والإلتباس في علاقة الحركة الاسلامية المسلحة بالجبهة الاسلامية.... وقد وجدت في الأخ محمد سمراوي رجلا محترفا واثقا في جهاز المخابرات الجزائرية إلى حد بعيد مما جعله يصر على تثبيت رؤيته في الكتاب من منطلق الشهادة بما يعلم مع إشارات خفيفة إلى بعض ما تحدثنا فيه.

وقد التقينا بالأخ الصحفي أحمد منصور قبل بث الحصة صبيحة يوم 1 أوت 2001 و تناقشنا حول محاورها ولكن مشكل التعبير باللغة العربية لدى الأخ محمد سمراوي شكل معضلة تركنا المبادرة لمنشط الحصة في ترتيب من يساعده على تجاوزها.

ولا شك أن ما جاء في كتاب الأخ محمد سمراوي من الأهمية بمكان لأنه تجاوز فيه الحديث عن الجانب الأمني الذي تمكنت القيادة العسكرية من توظيفه لصالحها إلى حد بعيد وفتح نافذة على الجانب الإقتصادي الذي هو السبب الرئيسي لكل الانزلاقات التي وقعت فيها القيادات المتعاقبة على النظام الجزائري الفاسد. ولكنني اطلعت على معلومات كثيرة في مسودة الكتاب تتعلق بتورط جهات فرنسية في الفساد الحاصل في الجزائر على مستويات متعددة لم ترد في النسخة المطبوعة من الكتاب. وقد أكد لي ذلك الأخ حسين أيضا والذي يحتفظ بنسخة من المسودة الأصلية عنده وبرر عدم نشر تلك المعلومات بمقتضيات عقد التفاهم بين الكاتب والناشر الذي تكتسي الاعتبارات التجارية والقضائية أهمية قصوى في حساباته. وأتمنى أن تظهر تلك المعلومات في الطبعة الجديدة أو في نسخة منشورة من المسودة الأصلية إن شاء الله.

ـــــــ

الحلقة الخامسة عشر ستنشر بحول الله يوم الأحد 14 فبراير 2010