AHMED CHOUCHANE

Flage1

Chouchane

 

كلمة في تفجير مقر الحكومة بالعاصمة الجزائرية

كتبه: أحمد شوشان | 24 أبريل 2007

أولا: أسأل الله أن يتغمد الضحايا برحمته و يلهم باقي الجزائريين رشدهم فينتبهوا إلى ما يراد بهم و يعتبروا بما وقع في العراق؛ والسعيد من اتعظ بغيره كما جاء في الأثر.

ثانيا: من دواعي الحسرة أن تبقى حقيقة هذه المأساة المفجعة باهتة لا يكاد يفهم طلاسمها حتى الجزائريون أنفسهم. وذلك لأن تناول تلك الأحداث منذ إرهاصات الازمة اعتمد في أغلب الأحيان على تقارير إعلامية وتحاليل سياسية لا تستند إلى معلومات معتبرة بميزان توثيق الخبر. وآخر مثال على ذلك التغطية الإعلامية لتفجير مقر الحكومة بالجزائر العاصمة التي خاض فيها عشرات ممن يزعم أنهم خبراء ومختصون في الإرهاب وشؤون الأمن دون أن نسمع تعليقا في الوقت المناسب لأي مسؤول أمني جزائري حالي أو سابق يتناول الموضوع بمنطق الخبرة والاختصاص.

ثالثا: على عكس اللغط الذي تعالى عقب الأحداث فإن ما حصل رغم خطورته كان منتظرا وسيبقى مرشحا للتصعيد في نظري ولن تمنعه يقظة رجال الأمن ولا تجنيد مزيد من فرق الدفاع الذاتي ولا حتى نزول الحلف الأطلسي بقضه وقضيضه ومثله معه. هذا ما قلته قبل أن يدخل مصطلح الإرهاب إلى قاموس الصحافة الجزائرية ولن أتوقف عن تكراره حتى يثبت المتخصصون وأصحاب التجارب و الخبرة في الشؤون الأمنية عكس ذلك. وإذا كان بالمثال يتضح المقال فإن المشكلة في الجزائر كحال المصاب بمرض السكري الذي بقدر حرصه على تناول الأدوية التي فيها شفاؤه تجده في نفس الوقت لا يصبر على الأخذ بأسباب هلاكه. وإلى أن يقتنع الجزائريون بأن علاجهم مستحيل دون أن يفطموا أنفسهم عن تعاطي أسباب المرض فستبقى حياتهم عرضة للخطر في أي لحظة.

فمرض السكري الذي نخر النسيج الاجتماعي للشعب الجزائري هو فقدان قيمة المواطنة لاعتبارها، حيث يشعر المنتسبون لمؤسسات الدولة بأن مواطنتهم تحمل طابعا رسميا يعطيهم حق احتكار الوصاية على الجزائر دولة وشعبا ووطنا وتجعل كل ما يصدر عنهم مصلحة خالصة للجزائر يجب على الجميع تمجيدها حتى ولو كانت مفسدة عظيمة، ويعتبرون من سواهم من أفراد الشعب مواطنين مؤقتين يمكن تجريدهم من حقوق المواطنة في أية لحظة ولأي سبب. وهذا الخلل في التعاطي مع مفهوم المواطنة بين الجزائريين تولد عنه شعور بالاستضعاف لدى الشرائح الواسعة التي تطمح للتمتع بحقها المشروع في المواطنة الكاملة وتسعى إلى تحصيله إما بالالتحاق بمؤسسات الدولة بغرض الاستفادة من امتيازات المواطنة الرسمية أو باستعمال القوة مع ما يترتب على ذلك من صدام مع المستأثرين بحقوق المواطنة الممتازة. ولكن الأغلبية الصامتة كانت دائما تظهر الرضى بالوضع وتضمر الكيد لمن تعتبرهم متسلطين عليها. وهذا الوضع النفسي للجزائريين هوالبيئة الاجتماعية المثالية لنشأة الأفكار الهدامة وطغيان تأثيرها على سلوك الضعفاء منهم. وليس غريبا أن تسعى هذه الاطراف إلى تحقيق غاياتها الخفية تحت شعار الإسلام أو الجمهورية أو غيرها، وإنما المصيبة الكبرى هي أن يغتر طرف بقوته ويتوهم أنه قادر على استئصال خصومه أوإخضاعهم التام لإرادته؛ وهو ما حصل بالفعل مع الأسف وقد كاد ذلك أن يؤدي إلى إبادة تدريجية للشعب الجزائري بأكمله لولا بقية من عقل تمخض عنها تبني المصالحة الوطنية كخيار وطني استراتيجي لمعالجة القضية.

إن الاقتناع بتكافئ الجزائريين في حق المواطنة الكاملة والتسليم به من طرف الجميع هو الذي سيخرج المواطنة - التي هي حق الإنسان في العيش الكريم في وطنه - من دائرة النقاش بين الفرقاء و يجعل أمن و استقرار الجزائر امتحانا شخصيا ومطلبا أساسيا للجميع يستلزمه الانتماء الصادق للوطن. وعند ئذ فقط سوف لن يجد أعداء الجزائر الفعليين من يتواطؤ معهم على إثارة الغبار - و ليس تفجير القنابل - في الجزائر لا باسم الاسلام ولا باسم الديمقراطية و لا باسم أي شرعية أخرى.

إن تحقيق هذه الغاية التي أصبحت ضرورة ملحة يتطلب شجاعة كبيرة و حبا صادقا للوطن لا بديل للجزائريين عن التحلي بهما من أجل إنقاذ أنفسهم وتأمين المستقبل لأبنائهم لأنهم إذا لم يفعلوا ـ لا سمح الله ـ فإن تخبطهم في ضحضاح الفتنة سيدفعهم حتما للاحتكام للأجنبي الذي يتربص بهم الدوائر ليجردهم من شرف المواطنة ويلبسهم ذل العمالة والرق. ومن كان في شك من هذا فليتأمل ما كان عليه العراقيون وإلى أين آلت أمورهم. وكفى بذلك واعظا.

رابعا: إن لهذه التفجيرات دلالات يترتب على فهمها مستقبل الأزمة في الجزائر و على قصيري النظر أن يوفروا جهدهم عن الخوض فيها و سأكتفي بذكر ثلاثة منها في هذا المقام.

1 ـ إن هذه التفجيرات تصريح بليغ من منفذيها بأن الأزمة الجزائرية بمفهومها الوطني قضية لم تعد تعنيهم في شيء. وإذا كان الإعلان عن إنشاء قاعدة الجهاد في المغرب الاسلامي قد سبق هذه التفجيرات فإن لهذه الدلالة الأولى أثربالغ على مستقبل العلاقة بين هذه الجماعة وعامة الشعب الجزائري الذي كان قبل هذا الحدث المصدر الأساسي لإمداد المسلحين ماديا ومعنويا وبشريا. فمنذ أن رفعت الجماعات المسلحة شعار الدفاع عن الشرائح المستهدفة بالتعسف من طرف النظام بعد انقلاب يناير 1992 وهي تتمتع بدعم شعبي غير معلن جعل عدد أفرادها الذين تم التأكد من قتلهم بين 1992 و 1999 فقط يتجاوز 27 ألف قتيل حسب الإحصائيات الرسمية لقيائدة أركان الجيش الوطني الشعبي زيادة على عشرات الآلآف من المعتقلين المتهمين بالدعم والاسناد والمطاردين المتهمين بالتعاطف كما استطاعت هذه الجماعات أن تتأقلم مع كل المخططات الأمنية المعتمدة من طرف النظام بما في ذلك تشكيل المليشيات المسلحة وعمليات الاختراق والتفكيك المتواصلة. ورغم أن شعارالمصالحة رد بعض الاعتبار إلى مؤسسة الدولة الجزائرية وقطع الحبل الذي يربط أعمال هذه الجماعات المسلحة بالقضية الوطنية وأفقدها عمقها الاستراتيجي، فإن ما تضمنته تفاصيل ميثاق السلم والمصالحة من انحياز وإقصاء والعراقيل التي ما زالت تواجه تنفيذ بنوده والنعيق الذي ما زال ينادي به بعض عرابي الفتنة الاستئصاليين؛ كل ذلك سيبقي على حظوظ هذه الجماعات في الاستفادة من إحساس المهمشين بالظلم والفاقة قائمة ولكن بخطر أعظم وعلى نطاق أوسع. وهذا يضع الدولة الجزائرية امام تحد كبير يفرض عليها التنافس مع هذه الجماعة في رفعه و الانتصار فيه قبل التفكير في زيادة الانفاق على عسكرة المجتمع.

2 ـ إن إغماض العينين لا يحيل النور إلى ظلام والتمادي في المراهنة على القوة العسكرية في التعامل مع ظاهرة العنف في الجزائر مسلك يائس لا طائل من ورائه. ليس لأن الجيش الوطني الشعبي وملحقاته الأمنية غير مؤهلة للقتال ولكن لأنها تخوض حربا ضد مجهول يتحكم في معطيات الموقف ويتجدد وفق ما يقتضيه دون التقيد بضابط يمكن الاحتكام إليه في التمييز بين الهزيمة والنصر. والدلالة الثانية لهذه التفجيرات تأكيد لذلك، حيث تعكس لنا عبثية تدمير البيئة وتصحير الغابات من أجل ملاحقة هذه الجماعات في الجبال والأحراش في الوقت الذي تختار هي الأهداف التي تضربها في عمق المدن و داخل الثكنات.

3 ـ الدلالة الثالثة هي التزامن المتناسب إلى درجة التنسيق في اختيار الجزائر كميدان للحرب المفتوحة بين طرفين أجنبيين. ففي الوقت الذي تحاول الولايات المتحدة تعزيز نفوذها بإقامة مقر لقيادتها الاقليمية في إفريقيا على التراب الجزائري تعلن الجماعة السلفية على انضمامها إلى تنظيم القاعدة، والنتيجة هي تدشين شوط جديد من حرب قذرة سيخوضها السفهاء من الجزائريين في أرضهم بأنفسهم و أموالهم وعلى حساب أمنهم وأعراضهم لصالح أجانب متطفلين على أمجاد شعبهم ووطنهم. وكفى بذلك دلالة على الإهانة والاحتقار حتى إذا لم تستوعبه بعض العقول.

وفي الختام يمكننا أن نقول بدون مبالغة أن هذه التفجيرات نذير مبين لكل الجزائريين بما فيهم الجماعات المسلحة ودوائر النفوذ في السلطة بأنهم إذا لم يستفيقوا من سكرتهم وأنانيتهم فورا ويقفوا وقفة رجل واحد لمنع أي تدخل أجنبي أيا كان اسمه أو شعاره فإنهم مقبلون على خيانة عظمى سيكونون أول ضحاياها ويبوؤون بالمسؤولية الكاملة عليها امام الله وأمام التاريخ.