AHMED CHOUCHANE

Flage1

Chouchane

 

تعليقات على القانون الاساسي للمستخدمين العسكريين

النقيب أحمد شوشان | صوت الجزائر | 23/04/2006

عندما طلب مني إبداء انطباعاتي على القانون الاساسي للمستخدمين العسكريين عادت بي الذاكرة إلى سنوات النضال الشريف و المخلص من أجل ترقية القدرات القتالية للجيش الوطني الشعبي من خلال رد الاعتبار لمقومات الخدمة العسكرية وعلى رأسها الشخصية العسكرية الجزائرية بما تتميز به من استعدادات ذاتية.. وأنا أعتبر هذه الانطباعات استثمارا شخصيا في مبادرة الاصلاح الوطني الشامل.

و قبل أن نتعرض إلى بعض التفاصيل لا بد من التأكيد على أن نص القانون الجديد كما هو منشور في وسائل الاعلام لا يختلف كثيرا لا في شكله ولا في مضمونه عن نص قانون الخدمة في الجيش المعمول به سابقا و يمكن اعتباره طبعة جديدة منقحة بعناية وفق ما قدره القائمون على مراجعته كإجراءات ضرورية لإضفاء الطابع الاحترافي على الجيش.

كما تجدر بنا الاشارة إلى أن مشكلة الجزائر كلها و الجيش بصفة خاصة لم تكن مشكلة قوانين و لا نظم بل كانت دائما في مدى قدرة العسكريين و مستخدمي الدولة بجميع مستوياتهم على الفهم الصحيح والالتزام العملي المخلص بما تقتضيه نصوص القوانين و الانظمة. و لذلك فإن إصدار هذا القانون رغم ما يكرسه من شرعية الحقوق و الواجبات فإن الإضافات الجديدة ستكون في نظري وسيلة قانونية إضافية يستعملها الوصوليون لتمرير مشاريعهم المسمومة و قمع كل مبادرة لاعتراض مشروعهم الذي يستهدف هوية الجيش الوطني الشعبي بالمسخ و التيعية.

و أكتفي في هذه العجالة ببعض الملاحظات التي بدت لي من القراءة السريعة لبعض نصوص هذا القانون:

ـ المادة 25

تظهر في نص المادة عبارة تمنع على العسكريين الدعوة إلى الدين. والمقصود بالدين هنا هو الاسلام لأنه الدين المعتمد الوحيد في مؤسسات الدولة الجزائرية بنص الدستور كما أنه مصدر من مصادر التشريع المعتمدة و التي لا يمكن إزالة صبغتها عن مضمون القوانين الوطنية. و لا شك أن المشرع الجديد استند إلى الأزمة الدموية التي مرت بها الجزائر كذريعة لتبرير ما ذهب إليه بعد أن تكرست في واقع الحال أكذوبة مسؤولية الاسلام على ما حدث. و هنا تكمن خطورة مثل هذه الاضافات المسمومة. فمنع الدعوة إلى الدين يشمل كل ما يحمله الإسلام من قيم الخير و يستهدف بالعقوبة كل من يدعو إلى الفضيلة و مكارم الأخلاق. و لا نذيع سرا إن قلنا بأن هذا المشروع كان قائما في أرض الواقع رغم مخالفته للقوانين و الأنظمة منذ الاستقلال. فقد كان قانون الخدمة في الجيش مثلا، يجرم شرب الخمر و تناول المخدرات و يعاقب عليها و يمنع أي علاقة خاصة بالنساء دون رخصة قانونية حتى لغرض الزواج و يشترط في كل عسكري أن يكون مواطنا صالح السلوك و كل هذه القوانين مطابقة لتعاليم الاسلام نصا و روحا. و رغم ذلك فقد استبيح القانون و تجرأ كثير من العسكريين من مختلف الرتب على شرب الخمر و معاشرة البغايا. لكن مع ذلك كله فقد كانت نصوص القانون تساعد الغيورين على شرف الجيش الوطني الشعبي من جميع المستويات على ردع هذه الانحرافات بقوة القانون عندما تتوفر لديهم إرادة الاصلاح. و قد تعرض كثير من الضباط الشرفاء إلى مضايقات واتهموا في سنوات الامن و الاستقرار بالتخلف و التطرف رغم أنهم دعوا إلى تطبيق القوانين لا أكثر. و يمكننا تصور حال البقية من هؤلاء الشرفاء بعد أن يصبح بإمكان المنحرفين و الشواذ اعتبار كل دعوة إلى الفضيلة دعوة إلى الدين و ما ينجر عن ذلك من الفساد داخل صفوف الجيش على غرار ما وقع في المجتمع المدني.

قد يزعم البعض أن في هذه العبارة استباقا وقائيا يهدف إلى منع التنصير أو التهويد الذي يمكن أن تتعرض له المؤسسة العسكرية بعد دخولها في تعاون عضوي محتمل مع الحلف الاطلسي. و هذا زعم مردود على الوصوليين وعشاق التبعية للأجنبي بدليل أن الجيوش التي أحرزت تقدما حقيقيا في قدراتها القتالية هي تلك التي حافظت على استقلاليتها التامة و أستمدت عقيدتها العسكرية و نظم الخدمة لجيوشها من عقيدتها الدينية و تاريخها العسكري رغم تواضعه و مقدراتها الوطنية ابتداء من بريطانيا و روسيا و انتهاء باسرائيل و الصين مرورا بالولايات المتحدة الامريكية و فرنسا و آخر العبرة في كوريا و إيران. أما مصر و ما يسمى دول جنوب المتوسط و الساحل الافريقي فقد حكمت على نفسها عسكريا بالتبعية و ما يترتب عليها من التخلف إلى إشعار آخر.

ـ المادة : 39

في هذه المادة يوجب القانون على المرؤوسين الطاعة و يحملهم المسؤولية  و لا يجيز للرؤساء إصدار الاوامر المخالفة للقانون.

و يثير هذا النص اشكالية حقيقية عندما يصدر القائد أمرا مخالفا للقانون كما يدل عليه واقع الحال. حيث يوجب القانون على المرؤوس طاعة القائد من جهة و يحمله المسؤولية من جهة أخرى. فلو أمر القائد مرؤوسيه بارتكاب جريمة قتل موصوفة فإن نص القانون يوجب عليه تنفيذها و في نفس الوقت يحمله مسؤوليتها ابتداء. و هنا عليه أن يختار بين عصيان الاوامر و تحمل المسؤولية التي قد تترتب عليها عقوبة شديدة تكلفه حياته، أو ارتكاب جريمة القتل و تحمل المسؤولية على ذلك في حال المساءلة أمام المحاكم. و كأني بهذه المادة مفصلة على مقاس الوضع الذي وجد فيه عناصر الجيش أنفسهم غداة الأزمة الدموية حيث أنها تكرس المنطق المنتكس الذي تم تسيير الأزمة به طوال عقد من الزمن و الذي فتح على عناصر الأمن و الجيش بابا من الشر لم تفلح حتى إجراءات المصالحة في غلقه. لأنه منطق مخالف للعقل و الفطرة السليمة و العدل. و المفروض أن يسقط واجب الطاعة عندما يكون الأمر مخالفا للقانون على الأقل. لأن تنفيذ الأوامر لا ينحصر أثره بين القائد و مرؤوسه بل يتعدى في أغلب الأحيان إلى طرف ثالث يكون هو الضحية الحقيقية. و يوحي هذا النص للقارئ بأن المشرع تجاهل تماما بأن تنفيذ الأوامر العسكرية يتعلق بالقتال و ما يترتب عليه من عظائم الأمور التي لا يمكن استدراكها بمراجعة المحاكم مثل قضايا التجارة و الاحوال الشخصية. و أن من الأولى الاحتياط فيها بالاجراءات الوقائية و ليس بالحسبة و القضاء، كمراجعة القائد الأعلى قبل تنفيذ الامر المخالف للقانون مثلا على الأقل أو غير ذلك من إجراءات الاحتياط التي تنقل المرؤوس من دائرة العبد المملوك الفاقد للاهلية إلى الانسان الراشد  القادر على تحمل المسؤولية.

ـ المادة: 40

و هذه المادة أغرب من سابقتها حيث أن الأولى تحمل المرؤوس المجبر على الطاعة مسؤولية ما ينفذه من أوامر اما المادة 40 فإنها تعفي القائد من المسؤولية على ما يقوم به مرؤوسه. و معلوم أن كل مكلف مسؤول و القائد مكلف بمهمة المحافظة على الاستعداد القتالي الدائم لمرؤوسيه و هو ما يعني متابعة كل ما يقتضيه ذلك من إعداد بدني و معنوي و مادي و ما يلحقه من انضباط و حسن تسيير زيادة على مهامه في حالة الحرب . و هذا حيز واسع من حياة المرؤوس لا يستبعد فيه وقوعه في المخالفات كما لا يستحيل وقوع المسؤولية على القائد. و ما جاء في نص المادة يحكم بالاستحالة على أمر وارد جدا و يحدث في قانون الخدمة ثغرة يستغلها المنحرفون للتهرب من المسؤولية عندما يمارسون شذوذهم الشخصي خارج دائرة القانون.

المادة: 17

و هذه مادة مكررة من نظام الخدمة في الجيش سابقا تجدر الاشارة فيها للبس خطير لابد من إجلائه.

فالمادة تشترط في العسكري أن يكون مواطنا صالح السلوك.

والمشكلة ليست في لفظ المادة و لكن في مضمونها. فما هي مقاييس المواطنة و السلوك الصالح؟

ورغم أن المادة لم تتغير منذ صدور القانون سنة 1965 إلا أن مقاييس المواطنة و الصلاح تغيرت من النقيض إلى النقيض. فبعد أن كانت الثورة هي محور المواطنة في فجر الاستقلال الى درجة ان كل من نصر الثورة فهو جزائري حتى ولو لم يكن من اصل جزائري و ان من حارب الثورة ليس جزائريا حتى و لو كان من اصل جزائري، صار زعماء الثورة يوصمون بالخيانة و جردوا من حقوق المواطنة عقودا من الزمن لأنهم اختلفوا مع بعضهم على الحكم و في نفس الوقت تمتع جنود الجيش الفرنسي بحقوق المواطنة الممتازة - بعد ان صنفتهم ثورة التحرير مواطنين من درجة ثانية - لانهم اختاروا في الوقت المناسب الطرف الرابح في حرب الاخوة الاعداء. كما كان دعاة الانفصال في يوم من الايام خونة و عملاء للاستعمار ليصبحوا اليوم رموزا للمواطنة.

و لكن المؤكد هو أن قيمة المواطنة انتهت الى معنى الولاء للخزينة لأنها أهم ما يعني الجميع في جزائر اليوم كما تؤكده شواهد كثيرة. أما صلاح السلوك فأمره أدهى و أمر و ذلك لأن المجتمع الجزائري كله دخل مرحلة متقدمة من التحلل الاخلاقي و الانحراف السلوكي واختزلت القيم كلها في وصفة واحدة هي المصلحة الشخصية. وهذه الحقيقة يدركها كل من يتابع التقارير الرسمية والصحافية الوطنية والدولية منذ سنة 1992 فإنه لا يرى مؤشرا واحدا يدل على أن انهيار بنيان القيم توقف منذ ذلك الحين. فالانسان الصالح بالمقاييس المعتمدة اليوم في الجزائر هو الانسان الفارغ الذي اسقط من اعتباره قيمة الوطن و الهوية و الدين. هو الانسان الذي يؤمن بأنه عابر سبيل لا حق له في التدخل في الشؤون العامة إلا بقدر ما يأذن به مالك الخزينة الوطنية مقابل الأجر الذي يتقاضاه على الخدمة المطلوبة منه دون مناقشة.

و لذلك كان المطلوب من المشرع الجديد أن يحدد المقاييس التي تضبط صفة المواطنة و مقتضياتها من جهة و تحدد معنى السلوك الصالح من جهة أخرى على أقل تقدير، حتى يتوقف تسرب الوصوليين إلى مؤسسة الجيش من جهة و انتشار مزيد من الانحراف السلوكي بين عناصره من جهة أخرى.

لقراءة القانون الاساسي للمستخدمين العسكريين, أنقر هنا