AHMED CHOUCHANE

Flage1

Chouchane

 

الأولوية للجزائر

كتبه: أحمد شوشان | صوت الجزائر | 14 فيفري 2006

بعد اعتقالي في مارس، 1992 لامني قائد أركان الجيش الوطني الشعبي عن تورطي فيما اعتبره تواطؤا مع الاسلاميين في مؤامرتهم لقلب نظام الحكم بالقوة وأبدى لي استغرابه من تفكير ضابط مرؤوس برتبة نقيب في التمرد على القيادة العليا. فأجبته قائلا: يا سيادة اللواء، إن القضية لا علاقة لها بالتواطئ و لا التمرد و لكن إخفاق القيادة العليا في الإضطلاع بواجبها الوطني في الوقت المناسب لا يعفي الضباط المرؤوسين من المسؤولية في حدود إمكانياتهم لأن حماية الجزائر مسؤولية الجميع و أنا اجتهدت لأجنب وطني كارثة محققة بعد أن أخذ الجنود و العرفاء و عامة المواطنين المبادرة في التصرف، فإن كنتم ترون أني أخطأت فأنا مستعد لتحمل مسؤوليتي كاملة و لكنني أؤكد لكم بأن الإجراءات المتخذة من طرف القيادة إلى حد الآن مقدمات منطقية لكارثة وطنية سيكون كل المخلصين من المواطنين وضباط الجيش ضحايا لها و..... ولم تمض شهور حتى أحيل اللواء واثنين من العمداء الذين حضروا اللقاء على التقاعد ولم يعد إلى الواجهة كوزير منتدب للدفاع إلا بعد التحول الجذري في سياسة التعامل مع الأزمة الوطنية سنة 2005. وأنا أسوق هذه الحادثة لأنها تذكرني بقوة الحافز الذي جعلني أرفض رفضا قاطعا لا رجعة فيه تبريردرء الخطر المقدرالمحتمل باقتحام المجهول الأخطر، إذ لا يستقيم أن نواجه تشدد مجموعة محدودة العدد من الناس وتطرفها في الدين بإشاعة الفاحشة وتشجيع الفسق والفجورفي أوساط المواطنين ولا باتخاذ عصرنة الدولة ذريعة لتطهيرها من الكفاءات ومطاردة الشرفاء واضطهادهم والاعتماد على الفضوليين والمفسدين في تسييرمؤسساتها.

إن فضائح الفساد المعروضة على العدالة في الجزائر وحدها كافية للتأكيد على أن بشاعة المأساة الوطنية لم تكن نتيجة موضوعية للانفلات الأمني وحده كما حاولت أطراف إعلامية عديدة تكريسه طوال عشرية التيه، ولكن البشاعة كانت عنصرا ضروريا لصرف الأنظار عن عملية التخريب الحقيقية الجارية بعيدا عن الأضواء والتي اتضح لكل ذي عينين مدى تأثيرها السلبي على كل مشاريع المصالحة والإصلاح و التنمية الوطنية.

واليوم وقد ظهرت مؤشرات عديدة تدل على أن هناك إرادة لدى رئيس الجمهورية ومن اقتنع معه من القيادات العسكرية بجدوى مبدإ المصالحة، في وضع حد لدوامة الفساد الذي هو محورالدوران للأزمة الوطنية منذ انطلاقها، فإن الواجب يفرض على كل عاقل أن يتعامل مع القضية الوطنية على أساس تقليل المفاسد بالتعاون مع هذه الجبهة في مواجهة المصرين على الفساد مع التمسك بحق الاختلاف معها في ملفات أخرى حتى ولو كانت ذات أهمية لأن المرحلة التي تمر بها الجزائرالآن تقتضي إعادة ترتيب الأولويات بناء على المصلحة العليا للوطن؛ وهو المحك الذي يتمحص عليه صدق الوطنية لدى الجزائريين في كل الظروف.

فالرهان الأول في هذه المرحلة هو تعزيز المواقف الوطنية الشجاعة ذات البعد الاستراتيجي و المصيري وتثمينها وتعبئة كل المواطنين للالتفاف حولها حتى تكتسب وضعا ثابتا لا رجعة فيه. فالتراجع عن قانون المحروقات بصيغته الأولى مثلا، قرار وطني تاريخي شجاع لا ينبغي أن يعتبر موقفا شخصيا لرئيس الجمهورية بل على جميع الجزائريين أن يستعيدوا المبادرة في تبني قضاياهم المصيرية ويتجندوا خلف القيادة عندما توفق في الاختيار ويشعروا دوائر الضغط المحلية و الخارجية بأن القضية قضيتهم وأن استهداف الرئيس و معاونيه لن يغير من الأمر شيئا. ويأتي في نفس السياق رفض الجزائر إقامة قواعد عسكرية أمريكية على ترابها، فتثمين هذا الموقف ودعمه والإشادة به إن صح والتشجيع عليه والمطالبة به إن كان قيد الدراسة واجب وطني على كل جزائري حريص على مستقبل بلده وشعبه. إنه موقف لا تجوز المقايضة فيه ولا المساومة عليه مهما بلغت حدة الخصومة بين الجزائريين على شؤونهم الداخلية. وذلك لأن الوجود العسكري الأجنبي على الأرض لا يعني سوى شيئا واحدا هو الشراكة في السيادة على الوطن إذا تكافأت موازين القوة أما في حالة الوجود العسكري الأمريكي في الجزائر فإنه الوصاية الكاملة لأنها الأقوى. إن هذا لا يتناقض أبدا مع إقامة تعاون عسكري في إطار المبادئ المتعارف عليها بين الدول ذات السيادة والقائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بل إن ذلك سيضمن تعزيزا مستمرا لاستقرار العلاقات الودية والإيجابية بين الشعوب والدول على حد سواء. و لذلك كان من المفروض أن يعزز هذا الموقف استقرار كل الجوانب الإيجابية في العلاقة بين الجزائر والولايات والمتحدة و يقلل من أسباب التوترالمحتمل في العلاقات.

أما الذرائع المقدمة من طرف دعاة التبعية لتبرير الوجود الأجنبي على الأرض في الجزائر فهي أكثر من واهية حتى لا اقول شيئا آخر؛ وقد سبق لي التعرض لهذا الموضوع في مداخلة نشرت على موقع صوت الجزائر الالكتروني بتاريخ 3 جوان 2005 بعد الاعلان عن أول مناورة لقوات اجنبية على أرض الجزائر وقد اشرت فيها إلى أن تلك المناورة مبادرة غير مسؤولة وكان لي موقف شديد منها اقتضاه واجب البيان عند الحاجة. ولذلك فبقدر شدة الاستنكار الذي تطلبه الانزلاق إلى الوصاية الاجنبية يأتي هذا التشجيع والإشادة بالقرار الذي يحصن السيادة الوطنية ويشرف قيادة الجيش الجزائري. ومما يعزز الاعتقاد بأن مثل هذه القرارات الوطنية ستعرض الرئيس الجزائري والمخلصين من الفريق العامل معه إلى ضغوط هائلة محليا و دوليا، ذلك التزامن المريب بين الاعلان عن تشكيل ما يسمى قاعدة الجهاد في بلاد المغرب الاسلامي من جهة وموافقة الكنجرس الامريكي على تشكيل قيادة عسكرية أمريكية موحدة في الساحل الافريقي من جهة ثانية ولعل ذلك في نظري هو أول الغيث الذي يوشك أن ينهمر. وسيجرف المنطقة إلى وضع أسوا من وضع العراق، نظرا لوضعية الدول المهترئة المحيطة بالجزائر والتي هي وحدها بيت القصيد في مشروع الساحل الافريقي.

ومن المفيد التذكيرمجددا في هذا المقام بأن ما يسمى بالارهاب في الجزائر صناعة وطنية خالصة لا علاقة لها بالعالم الخارجي ولها اسبابها المحلية المحضة مثلها مثل الفساد الإداري والشذوذ الاجتماعي والمسخ الثقافي والاستبداد السياسي وغيرها من أسباب التخلف التي يعتبرها بعض المسؤولين الجزائريين مع الأسف وسيلتهم المفضلة للحفاظ على الامتيازات غير المشروعة التي اكتسبوها في غفلة من الضمير الوطني.

أما السبيل الوحيد للانتصار على هذه المخاطر كلها وتدارك الأمر قبل الانتكاسة، وفي كلمات موجزة، فمازال وسيبقى هو التحرر من عقدة الماضي الأليم أولا وقبل كل شيء والاقتناع بوجوب رد الاعتبار الكامل وبدون تحفظات للشرفاء والتعويل على الكفاءات الوطنية المخلصة في التقويم والإصلاح ثانيا، ثم التعاون الصادق واللامشروط على وضع حد نهائي وحاسم للفساد الذي استشرى في مؤسسات الدولة خلال عشرية الجنون المخزية.

وكل كلام غير هذا فهو طحن للهواء ومضغ للريح لا طائل من ورائه غير العودة إلى نقطة الصفر ولكن بمعطيات أكثر تعقيدا ونفوس يائسة.

ويبقى على كل الجزائريين أن يتحملوا مسؤوليتهم في عملية الإسعاف ما دام ذلك متاحا لهم ويدفعوا نصيبهم من ضريبة الوطنية بكل رضا قبل أن يضطروا إلى دفع الجزية للاجنبي عن يد وهم صاغرون.

و لله الأمر من قبل و من بعد و هو الهادي إلى سواء السبيل.

ــــــــــــــــــــ

نقيب سابق في الجيش مقيم في بريطانيا