AHMED CHOUCHANE

Flage1

Chouchane

 

عوضكم الله عن بعضكم خيرا

أحمد شوشان | صوت الجزائر | 16 ديسمبر 2005

وصلتني رسالة من أحد الشباب الجزائريين عبر البريد الإلكتروني سالني فيها عن أخبارالرئيس عبد العزيز بوتفليقة الموجود في المستشفى العسكري بفرنسا. و رغم أنني توقفت عن التعليق على ما يجري في الجزائر منذ الاعلان عن مشروع السلم و المصالحة فقد حاوات الإجابة عن سؤاله باختصار مفيد فكتبت له: عظم الله أجر كم فيه و عوضه عنكم خيرا.

وقبل أن أبرح مكاني تتالت على بريدي برقيات التساؤل: ماذا تقصد؟ من أين لك هذه المعلومات؟ ما هذا التشاؤم؟ هل مات الرئيس؟ ...

و من خلال النظر في أسلوب السائل غلب على ظني أنه صحافي مبتدئ يبحث عن الطريق إلى الحقيقة, فأحببت أن يكون جوابي عبر الفضاء المفتوح حتى تعم الفائدة.

أما ماذا أقصد بعظم الله أجركم فيه, فالخطاب موجه للسائل و من خلاله للمواطنين الجزائريين الذين لا يستفيقون إلا على الكوارث تجتاح ديارهم لتتركهم في العراء. و المراد هو أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قد انتهت عهدته الحقيقية و لم يعد يملك من صلاحيات الرئيس غير المرتب و ما يتعلق بالتشريفات و الأمور الشكلية. و لذلك اعتبرته كرئيس للجمهورية في حكم الأموات, ومع أنني لا أستبعد وفاته فأنا لم أزعم أنه قد مات و لا أتمنى له ذلك, و إنما قصدت أن الشعب الجزائري فقده كرئيس علق عليه آمالا عريضة ذهبت أدراج الرياح في كل الأحوال. أما لماذا عوضه الله عنكم خيرا فلأنه هو الذي أخذ المبادرة ليكون رئيسا على الشعب الجزائري بطريقته الخاصة سنة 1999 و هو الذي استطاع أن يفتك البيعة و التفويض المطلق لنفسه من الأغلبية الساحقة من المواطنين الذين تنكروا له عندما تعرض للتهميش و الإذلال عقدا من الزمن و يعيد الاعتبار لشخصه سنة 2004 كرئيس للجمهورية. و لكنه مع ذلك انتهى إلى نفس مصير الرؤساء المنتخبين و إن اختلفت الطرق و المسالك.

ألم يكن الشاذلي ذكيا في رد الأمانة لأهلها في 11 يناير 1992 بطريقة سلمية و التفرغ لشؤونه الخاصة بدلا من المغامرة بحياته من أجل ملايين من المواطنين الذين لم يغنوا عنه شيئا بعدما علموا بالانقلاب الذي تعرض له على غرار ما فعل المواطنون الفنزوليون مع رئيسهم ذات يوم . ألم يفضل زروال التمتع بما بقي من حياته في أمان بدلا من خوض معركة خاسرة لا قيمة فيها لأصوات 96 في المئة من المواطنين الذين لا يعلمون عن حكامهم الحقيقيين شيئا.

إن عبد العزيز بوتفليقة أذكى من سابقيه و أجدربأن يعلم أن مهمته انتهت بمجرد المصادقة على ميثاق السلم و المصالحة الذي وثق شهادة زور باسم الشعب الجزائري المغلوب على أمره, أدان بموجبها أبناء الجزائر الشرفاء و أقر بالدنية في كل مقومات الجزائر المستقلة ومجد الجريمة و المجرمين و منحهم الحصانة القانونية من المتابعة و أقر لهم بالفضل.

و لذلك فإن بوتفليقة الآن مخير بين أن يحذو حذو الشاذلي و زروال أو حتى بورقيبة فيقضي ما بقي من أيامه في نقاهة دائمة بتوصية مؤكدة من الأطباء و يترك شؤون الحكم لسكان المنطقة الأصليين الذين اشتد بهم الحنين لخدمة أسيادهم القدامى من البيزنطيين و الرومان، و بين أن تعاوده نوبة القرحة المعدية النزيفية كلما اقترب من قصر المرادية و بشهادة الأطباء العدول والمختصين في قرحة المعدة بالذات.

و سواء مات بوتفليقة بالقرحة أو قضى نقاهته الدائمة في قصر المرادية, فإن ذلك خير له من رئاسة ملايين من الأشباح الذين إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم و إن يقولوا تسمع لقولهم فإذا افتقدتهم عند الضيق انفضوا من حولك و لسان حالهم يقول: اذهب أنت و ربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون.

بالنسبة لمصدر المعلومات التي بنيت عليها رأيي في الموضوع فإن المتوفر في وسائل الاعلام كاف للتوصل إليه. و مع ذلك فإن المهتم بالشأن الجزائري لا يعجزه الحصول على المعلومات من مصادر خاصة إذا كان أهلا للثقة.

أما التشاؤم فلا أرى له مكانا في جوابي, خاصة و أنني لم أقتنع يوما ما بأن التطورات المتسارعة للاحداث لها علاقة بشخص الرئيس بوتفليقة. بل الذي أكدت عليه دائما هو أن الدوائر الأمنية المتحكمة في مؤسسات الدولة هي الحاكم الفعلي. أما الرؤساء و الوزراء و غيرهم من الموظفين فهم في نظري منذ سنة 1992 و إلى هذه اللحظة مستخدمين لدى السلطة الفعلية يمارسون مهامهم اليومية و يتمتعون بحق المبادرة الكامل في تسيير الازمة بما لا يتعارض مع التوجيهات الصادرة عن أسيادهم. و قد توسع بوتفليقة في المبادرة إلى درجة خرج فيها على السيطرة فأصبح ترشيد أدائه ردة فعل منتظرة. و سيستمر تسيير الازمة بنفس الوتيرة و في نفس الاتجاه بوجود بوتفليقة أو بعدمه. و إلى أن يبايع 96 في المائة من سكان الجزائر رئيسهم الجديد و يمسحوا أيديهم من بوتفليقة كما فعلوا مع غيره سيبقى بوتفليقة معززا مكرما من طرف السلطة حيا و ميتا كما هو شأن الشاذلي و بوضياف و زروال.