AHMED CHOUCHANE

Flage1

Chouchane

 

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة و السلام على رسول الله

بريطانيا : الخميس 03 مارس 2005م

من : أحمد شوشان

نقيب سابق في القوات الخاصة الجزائرية

إلى السيد: عبد العزيز بوتفليقة

رئيس الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، أما بعد :

فهذه رسالة أبعث بها إليكم فخامة الرئيس إبراء للذمة في النصح والمشورة، واستجابة لندائكم إلى الأمة للمشاركة في مشروع العفو الشامل، بينت فيها بصدق وإخلاص رؤيتي للأزمة التي تمر بها بلادي، وكيفية العودة بها إلى بر الأمان بإذن الله تعالى، وإني لآمل أن تقع من فخامتكم موقع الاهتمام، وفق الله مساعيكم إلى الخير وسدد في طريق الإصلاح خطاكم.

نص الرسالة :

بداية لا بد لي أن أشير إلى أنني ضابط سابق في الجيش الوطني الشعبي استنفذت الجهد في إخلاص النصح لوطني ، وشعبي ، وقيادتي. كما لا يفوتني أن أشير إلى أن ذمتي بريئة من أي متابعة قانونية من أي طرف كان ؛ رسميا أو شخصيا ، ولا يدفعني لتقديم هذه النصيحة غير التعاون على الخير و النصح لوجه الله من موقع الشاهد على جانب مما حدث منذ إرهاصات الأزمة الأولى. لذلك رأيت أن أوجه هذه المذكرة إلى كل المهتمين بمشروع المصالحة الوطنية وهيئات التحضير للعفو الشامل ، وعلى رأسهم السيد عبد العزيز بوتفليقة رئيس الجمهورية ، للتأكيد على أن الضريبة التي دفعتها الجزائر خلال العشرية الدموية تفرض على كل من يتبنى مشروع المصالحة بصدق أن يستفيق أوَّلاً وقبل كل شيء من سكرة الطغيان والعنجهية التي هي الأصل الأصيل في كل إحباطات الجزائر ، خاصة وأن حملة الدعاية الهدامة والتضليل التي صاحبت سنوات المحنة كانت أسوأ أثرا ، وأشد خطرا على مستقبل الأجيال القادمة والذاكرة الجماعية للشعب الجزائري من آلة القتل والدمار، وحصيلة الواقع الاجتماعي بكل تداعياته الخفية والظاهرة أصدق شاهد على ذلك. ولذلك أصبح من الضروري إعادة الاعتبار للحقيقة مهما كانت مرة لأنها الضمانة الوحيدة لحماية أي مشروع جاد لإخراج الجزائر من النفق المظلم.

ولا ينبغي أن تُقدَّم الحقيقة في صورة السيف المسلط على رقاب المذنبين ، ولا في صورة الزوبعة المثيرة للفتنة ، بل على الجميع أن يروض نفسه على الاستئناس بها ؛ لأن المراد منها هو رد حيثيات القضية إلى إطارها الأصلي ؛ لإقناع الظالم بالاعتراف بعدوانه ابتداءً ، والأخذ بيده في الدفاع عن نفسه ، وتبرير ما أقدم عليه من الظلم بكل حرية لينتهي مع نفسه إلى أحد أمرين: إما أن يكون قد اجتهد قاصدا الخير فأخطأ فيعترف بخطئه ، ويعزم على عدم الرجوع إليه بعد أن تبين له الأمر، هذا من جهة ، ويعترف للجزائري المظلوم بحقه من جهة أخرى. وإما أن يكون قد تعمّد الظلم بدافع الهوى والغرور ، ثم قرر التراجع عنه بعد أن أدرك تبعات ظلمه، فيعترف للمظلوم بحقه ، ويطلب العفو منه ، فتبرأ ذمته أمام الله، ثم أمام الناس. وهنا فقط يصبح من حق الدولة أن تتحمل عن الظالمين تبعات ظلمهم و تُراضي المظلومين بما يحقق المصلحة العامة للشعب. وبهذا وحده يكون للعفو معنى حقيقيا ، وتقوم المصالحة على أساس صلب مضاد لكل آفات التسوس والتآكل.

وبما أن الأزمة طالت الجزائر في كل مقوماتها، فإن أهم خطوة على مسار حلها هي تذكير أطراف الأزمة المباشرين بطبيعة علاقتهم بما حدث ؛ لأن كل طرف ـ إلى حد الآن ـ يتوهم أنه ضحية ظلم ، أو يدعي بأنه كان منقذا لطرف ثالث من ظلم توقعه ، والجميع متهيب من الوقوف أمام المرآة للنظر إلى نفسه بأعين مفتوحة، وقلب ناصح ، ونفس معتبرة بما حصل. وهذه عقبة يجب على الجميع تجاوزها بكل شجاعة وإصرار إذا كانوا مقتنعين حقا بجدوى المصالحة الوطنية.

وفي تقديري يمكن جمع أطراف الأزمة الأساسيين في هذه المحنة على النحو التالي :

1 ـ الدولة الجزائرية :

الحقيقة المركزية التي يجب رد الاعتبار إليها بكل شجاعة هي : أن الدولة الجزائرية كانت أول ضحية للأزمة ؛ لأن المغالطة التي كرستها آلة الدعاية الهدامة والتضليل طوال عقد من الزمن قلبت كل المعطيات ، من خلال تزييف هذه الحقيقة الأم ، وجعلت كل الجهود المبذولة في معالجة القضية هباء منثورا. فالأزمة الحقيقية بدأت عند إسقاط الدولة الجزائرية ، وتفكيك هيئاتها الرسمية ؛ ممثلة في رئاسة الجمهورية والمجلس الوطني الشعبي ، وتعطيل العمل بالدستور ، ثم إخضاع الجزائر بقوة السلاح إلى نظام حكم جديد اتفقت على وضعه مجموعة من ضباط الجيش بطريقة سرية غير شرعية ، مستغلين في ذلك وظائفهم السامية في مؤسسة الجيش للقضاء على كل من يعترض على سلوكهم المخالف للقانون من طرف الإطارات العسكرية ، والمدنية ، والهيئات الرسمية والشعبية ، والمواطنين ؛ ابتداءً من رئيس الجمهورية ، وانتهاءً بالقُصّر من الأطفال المشردين.

هذا حقيقة ما حدث فعلا بعيدا عن كل المزايدات والمقايضات . ومن هذه النقطة بدأت الجزائر مسيرتها في دائرة الاحتراق الذاتي الذي أتى على الأخضر واليابس. وقد أدرك كثير من العقلاء هذا ، ولكن ضجيج الطغيان والعنجهية كان أقوى من صوت العقل والعدل .

فالدولة الجزائرية بالمعنى الصحيح لم تكن موجودة خلال المحنة ، وإنما حلَّ محلها نظام حكم عسكري بمسميات مستحدثة ، فرض نفسه بقوة السلاح. وكل ما تلا ذلك من أحداث وفساد شمل البلاد والعباد إنما هو على حساب ذلك النظام العرفي ، الذي يتحمل مسؤوليته في المقام الأول أولئك الذين قرروا إسقاط الدولة الجزائرية الرسمية ، وكل من تورط معهم في فرض الأمر الواقع على الشعب وتضليله.

إن ما ترتب على ذلك التصرف كان طامة كبرى ، وأمرا جللا ، من الضروري أن يعيه أصحابه بكل مسؤولية قبل كل شيء ، ويراجعوا أنفسهم آخذين بعين الاعتبار أن استيلاءهم على السلطة بتلك الطريقة قد وضعهم في موقع التهمة ابتداء. ولو أن محاولتهم الانقلابية باءت بالفشل لكانت الخيانة العظمى أقل ما يمكن اتهامهم به. كما أن نجاح مغامرتهم في البداية ليس كافيا لإضفاء الشرعية عليها ، خاصة بعد ما انتهت إليه البلاد من الخراب في جميع المجالات .

أما المبررات التي اتخذوها ذريعة لقيامهم بهذه العملية المخالفة للقانون ، فإن مناقشتها معهم هو أسمى ما يمكن أن ترقى إليه العدالة والإنصاف. لأن أقوى مبرراتهم المتمثل في منع الأصولية الإسلامية من الوصول إلى السلطة ، لا تقوم به الحجة أمام أي عدالة نزيهة ، ولا حوار موضوعي جاد ، بل إن هذا الافتراض لو صح فإنه لا يستحق أن يستنفذ من الجزائر عشر معشار ما خسرته في هذه العشرية من مقدرات بشرية ، ومادية ، ومعنوية ، ووقت ثمين ، وما ترتب على ذلك كله من فساد عظيم في جميع المجالات . ولذلك ، فإن الانخراط الكامل لهؤلاء في المصالحة بكل قوة وصدق سيكفل لهم أشرف مخرج ممكن ، ويمنحهم فرصة أخيرة لتدارك خطئهم. أما المصرون على المكابرة فإن سجل حسابهم سيبقى مفتوحا إلى أن تجري عليهم سنة العدالة الأزلية التي تأخذهم بكل صغيرة وكبيرة مهما طال الزمن.

إن التطرق لهذا الجانب من الموضوع ليس من باب إثقال كاهل العسكريين المسؤولين على الأزمة ، ومن سلك سبيلهم من المدنيين ، ولا من باب مساومتهم، أو استهدافهم بالسوء، وإنما هو مساعدة لهم على مواجهة الحقيقة التي حجبتها عنهم العنجهية والطغيان في مرحلة من حياتهم ، خاصة وهم يرون اليوم أن الجزائر تدفع الثمن أضعافا لإصلاح بعض ما تسببوا فيه. وإذا كانت العجلة التي أداروها في لحظة غرور قد لفظت اليوم الكثير منهم خارج مدارها، فإن الفرصة ما زالت سانحة لمن أراد منهم أن يساهم في إنجاح عملية المصالحة ؛ لإبراء ذمته ، وإعفاء عقبه من سلطان الحق الذي لا يمكن الالتفاف عليه إلى الأبد. وعلى المعنيين أن يركزوا على تبرئة ذممهم ، وتقديم ما يمكن تقديمه لمشروع الإصلاح والمصالحة بكل جدية و اخلاص ، بدلا من إضاعة الجهد والوقت في التنصل من مسؤولياتهم وإلقاء اللائمة على الآخرين، أو التمادي في دفع الأمور إلى مزيد من التعقيد والغموض بالتصريح أو التلميح؛ لأن لكل طرف نصيبه من المسؤولية في هذه القضية التي أصبح الشهود على تفاصيل أحداثها أكثر من أن يضللوا بالكذب والمراوغة. واليوم بعد أن تمكن رئيس الجمهورية المنتخب من رد الاعتبار لوظيفته كممثل للشعب، وعزم على رد الاعتبار لسيادة الدولة الجزائرية بالتعاون الإيجابي مع من تداركوا أنفسهم من هذه الفئة؛ فإنه لا خيار للباقين من سعة الأفق في تقدير الأمور؛ لأن المطلب الأهم عند جميع المواطنين الطامحين للتعايش في كنف الأخوة والكرامة هو المصارحة، وردّ الاعتبار للحقيقة قبل كل شيء وبعده.

2- الجبهة الإسلامية للإنقاذ :

هذا الحزب السياسي اعتمدته الدولة الجزائرية الشرعية رسميا بكل ما يحمله من سلبيات مفترضة ، وهي وحدها المسؤولة عن هذا القرار السيد، وقد كان بإمكانها سحب الاعتماد منه ؛ وفقا للقانون الذي اعتمدته به. وكما اعترفت بفوزه في الانتخابات المحلية سنة 1990 وفق القانون المعمول به ، فإنها بقوة القانون نفسه أغلقت مقراته ، وصادرت ممتلكاته ، وأعتقلت قيادته ، وعشرات الآلاف من مناصريه في شهر جوان 1991 ، على خلفية الإضراب العام الذي دعا إليه الحزب. وبغض النظر عن مبررات الإضراب وشرعيته ، وعدالة الإجراءات المتخذة من طرف الدولة ضد هذا الحزب ، فإن الحقيقة التي لا يسع أحدا إنكارها هي: أن هذا الحزب لم يتخذ المبادرة إلى العنف في الدفاع عن نفسه ، بل واصل تعامله مع السلطة في إطار القانون والشرعية، وخاض الانتخابات التشريعية كغيره من الأحزاب رغم ما كان يحاك ضده من مؤامرات خفية ومعلنة، وفاز بأغلبية أصوات الناخبين، باعتراف كل الشركاء السياسيين المعتبرين بمن فيهم سياسيي السلطة الشرعية القائمة أنذاك.

ثم فجأة ظهر الحكم العسكري الذي فكك مؤسسات الدولة الشرعية في 11 يناير سنة 1992 ، وأعلنت سلطته الفاقدة للشرعية الحرب الشاملة على هذا الحزب المعتمد رسميا وشعبيا دون سابق إنذار، وفي وقت كان رئيسه الجديد السيد عبد القادر حشاني يجتهد في التعاون مع الأحزاب السياسية الأخرى لوضع خطة عمل تدفع المسيرة الديمقراطية إلى بر الأمان. فاعتقلت أجهزة الأمن كلّ إطاراته ، وهياكله ، وعشرات الآلاف من مناضليه مرة أخرى ، وفتحت لهم مراكز الاعتقال والتعذيب ، واستباحت منهم كل ما يستبيحه الغزاة من خصومهم. إن هذا الوصف أبسط ما يمكن أن توصف به تلك المرحلة الأليمة من الأحداث. ولا يسع عاقل يحترم نفسه أن يتبنى ما روجت له وسائل الإعلام الموجهة في ذلك الوقت من أراجيف ، ويتجاهل ما كان يجري رسميا في مراكز صناعة القرار بين القيادة العسكرية ممثلة في وزير الدفاع وقيادات الأحزاب السياسية المعتمدة من اتصالات لتدارك الوضع . ومع ذلك فقد كان أقصى ما فعلته قيادة هذا الحزب في هذا الظرف هو توجيه نداء لمؤسسة الجيش لحماية خيار الشعب ، أمضاه رئيس الحزب عبد القادر حشاني ، ولم يصدر منها أي بيان يدعو قواعدها إلى استعمال العنف ضد السلطة رغم قابليتهم للقيام بذلك بعد التعسف الظاهر الذي تعرضوا له. وقد اعتُقِل آخر عنصر قيادي من هذا الحزب بعد هذا البيان ، وأعلنت السلطة الجديدة عن حل الجبهة الإسلامية رسميا بعد ذلك.

إن هذا العرض لا يترتب عليه تبرئة هذا الحزب من الأخطاء التي ارتكبها ، كما لا يعني موافقة قيادة الجبهة في تسييرها للأمور ، ولا التغاضي عن السلوك المتهور لبعض المنتمين لهذا الحزب. ولكنه تقديم واقعي لحقيقة المسيرة السياسية لهذا الحزب بغض النظر عن الأحداث العارضة التي تخللتها ، سواء كانت تلك الأحداث جزءا من نشاطاته ، أو من فعل طرف آخر ما دامت قوانين الجمهورية الجزائرية تستوعبها.

ومع ذلك ، فقد قُتل كثير من قيادات هذا الحزب ، ومكث عشرات الآلاف من كوادره في السجون والمعتقلات سنين عديدة ، دون محاكمة وحكم على قيادته باثنتي عشرة سنة سجنا نافذا .. فهل كانت مخالفات هذا الحزب ـ على افتراضها ـ تستوجب إعلان الحرب المجلية على كل ما يمت إليه بصلة ؟ وتوريط الشعب الجزائري بكل فئاته في هذه الفتنة العمياء؟.. في الإجابة الموضوعية الصريحة على هذا السؤال ستظهر لكل ذي بصيرة قيمة المصالحة التي بحت بها أصوات المخلصين من أبناء الجزائر ، في الوقت الذي كانت سكرة الغرور تهيمن على رؤوس كثير من المتهورين والمتهورات .

إن من حق العدالة النزيهة أن تدين المتورطين في أعمال العنف من هذا الحزب إذا ثبتت التهمة عليهم ، ولكن ليس من الإنصاف اتهام حزب سياسي بجرائم ارتكبت باسمه بعد حله التعسفي . ولذلك فإن العدل يقتضي في هذه الظروف أن تتاح الفرصة لقيادة هذا الحزب لتدافع عن نفسها ، وتقدم التوضيحات اللازمة لمواقفها ، أو الاعتراف بالأخطاء ، وتقبل ما يترتب عليها من تبعات ، تتم معالجتها في إطار مشروع المصالحة الوطنية ، ويغلق هذا الملف بعد تصفيته بكل شفافية و إنصاف إلى غير رجعة.

أما ما يجري من قتل منهجي لقيادة هذا الحزب ، ومنعهم من الإدلاء بشهاداتهم على ما حدث و حرمان بعضهم من أبسط حقوق المواطنة ، ودفع الشهود الآخرين إلى الصمت تحت مختلف التبريرات ، و التمادي في تضليل الرأي العام بشأن ما حدث ، و كأن الناس كانوا نياما أو موتى، فإن هذا التصرف لا يضر بسمعة هذا الحزب وحده ، وإنما يستهدف الذاكرة الجماعية للجزائريين كلهم بالاغتيال. وعلى الجميع أن يعوا أن قتل عبد القادر حشاني ، وصمت الشاذلي بن جديد ، وآيت أحمد ، وعبد الحميد مهري ، وعباسي مدني ، ومولود حمروش ، وعلى بن حاج ، وصمت باقي الشهود على الأحداث ، أو موتهم دون الإدلاء بشهاداتهم لن يمنع الحقيقة الكاملة من الظهور من جديد ، حتى و لو بلغت أصوات المزورين عنان السماء ؛ لأن للحقيقة قوة ذاتية لا يملك البشر ـ مهما كان سلطانهم ـ القدرة على قهرها إلى الأبد ، ولكن مع ذلك فإن هذا السلوك المتخلف سيغرس بذرة خبيثة من بذور التدمير الذاتي في أرضية مشروع المصالحة التي ينبغي أن تكون سالمة من الغش و الألغام .

أما ما قام به مناضلو هذا الحزب بعد حله ، فيجري عليهم فيه ما يجري على كل المواطنين المتورطين في المواجهة الدموية ؛ لأن التكافؤ في الدماء والأعراض مبدأ لا يقبل التجزئة ؛ فالميزان الذي يرد الاعتبار للمظلومين منهم جدير بأن يُخضع الظالمين إلى ما جرى على أمثالهم من الأطراف الأخرى بكل إنصاف.

3 ـ الجماعات المسلحة :

لا يجرأ أحد على تقديم عرض تعريفي منضبط لأي جماعة من الجماعات المسلحة التي عرفتها الأزمة الجزائرية ، وذلك لسبب بسيط يتمثل في العشوائية التي طبعت ظهورها ، ونظام تطورها ، وطبيعة أعمالها ، وعلاقتها بغيرها ، وطريقة زوالها. ولكن القاسم المشترك بينها جميعا هو استعمال السلاح ، ورفع شعار الجهاد باسم الإسلام. ولا جدوى في هذه المرحلة من بذل الجهد في تحديد هويتها ، خاصة و إن ذلك يتطلب دراسة علمية موثقة ، وبحثا دقيقا معمقا ، ومادة معلوماتية ستبقى حبيسة الوثائق والملفات السرية الرسمية عقودا من الزمن. ولكن المفيد في هذه المرحلة هو أن نتعرف على من حملوا السلاح شخصيا ، فنتيح لهم فرصة التعبير الحر عن أسباب حملهم للسلاح ، ومن أين حصلوا عليه ؟ ومن كان معهم ؟ ولمصلحة من قاموا بما قاموا به ؟ ومن هم ضحاياهم ؟ ولماذا استهدفوهم ؟ - كل ذلك بعيدا عن المساومات و المقايضات على حساب الحقيقة الكاملة - لنصل بجميع هذه المعطيات إلى تصور حقيقي لما كان يجري داخل هذه الجماعات على اختلاف أسمائها وشعاراتها ، ولنعيد الاعتبار لحقيقة الأحداث التي زيفتها الحرب الدعائية والتقارير المزورة التي صاحبت الأزمة ، ونتخذ على أساسها الإجراءات التي يتراضى عليها الخصوم ، وهم على بينة من أمرهم. فالمذنب يجري عليه ما يجري على الظالم من أي طرف كان ، والبريء كذلك ، والكلمة الفصل تقوم على الحقيقة أولا ، ثم على ما تتحقق به المصالحة الوطنية في نهاية المطاف. وسيساهم إظهار الحقيقة في وضع هذه الفئة في إطارها الصحيح من القضية بعيدا عن السمسرة الإعلامية ، والانتهازية السياسية ، والدعاية الهدامة للصراع الإديولوجي والثقافي والديني والعرقي ، والتوظيف الخارجي لكل هذه الجراثيم الفتاكة التي تكالبت على الجزائر منذ سنة 1991. وسنطوي بإظهار حقيقة هذه الفئة إحدى أقبح الصفحات في تاريخ الجزائر، ليس لبشاعة الجرائم المسجلة فيها فحسب ، وإنما لدرك الفساد ، وانفصام الشخصية الذي تردى فيه طائفة من أبناء الجزائر من جميع الفئات ، ومن مختلف المستويات ، وما ترتب على ذلك من تمجيد للجريمة والعدوان ، و استساغة للغدر و الخيانة، واحتقار للإنسانية ، واستباحة لقيمة المواطنة التي هي أساس وجود الجزائر كله . وعند ذلك سوف لن يقتصر المجتمع الدولي على رد الاعتبار الدبلوماسي للنظام الجزائري كشريك اقتصادي متسوّل ، وحليف في مكافحة الإرهاب على حساب سمعة وكرامة مواطنيه وسيادة دولته ، بل ستفرض قوة الحقيقة على الرأي العام العالمي رد الاعتبار للمواطن الجزائري حيثما كان. وعندها فقط تتمكن الدولة الجزائرية المحترمة من التعاون ، والتحالف مع المجتمع الدولي في كل المجالات ، وعلى جميع الأصعدة بكل سيادة واستقلالية.

4 ـ ضحايا الإرهاب وذوو الحقوق :

إن هذه الفئة من المواطنين ليست ضحية لدوامة الموت فقط ، بل هي أيضا ضحية لما صاحبها من حملات الدعاية والتضليل والانتهازية ؛ ذلك أن المواطنين المدنيين الذين اختاروا الانحياز إلى السلطة الانقلابية طوعا أو كرها ، إنما قاموا بالاستيلاء على مكسب مستحق لمواطنين جزائريين مثلهم ، بطرق غير شرعية ؛ سواء أدركوا ذلك أم لم يدركوه . وقد كان الجميع يتقاضى مقابل موقفه أو فعله ذلك أجرا وافيا أو مجزيا من طرف السلطة التي استأجرته أنذاك. وكذلك المرؤوسين من العسكريين الذين وضعتهم قيادتهم أمام الأمر الواقع مرغمين على مواجهة شريحة من شعبهم ، والقيام بعمل لا مكان له في نظام الخدمة في الجيش الوطني الشعبي ، ولا القانون العسكري ؛ باعتبار رئيس الجمهورية المعزول تحت التهديد هو القائد الأعلى للقوات المسلحة ، والقاضي الأول للبلاد . كل هؤلاء هم فعلا ضحايا آلة الدمار التي أدارها غيرهم دون استشارتهم ، ولكن عددا غير قليل منهم اغتروا بتحريض قيادات سياسية و عسكرية غير مسؤولة وتحمسوا للعدوان ، و اقتحموا نفق الجريمة المظلم بجنون وكان ضحاياهم من المواطنين الجزائريين الأبرياء بعشرات الآلاف. ولذلك ينبغي على أنصار المصالحة الوطنية ـ بمن فيهم المطالبين بحق هذه الفئة ـ أن يتكفلوا بقضية هؤلاء بكل شفافية ؛ ليتبينوا الضحية من المذنب ، وتكون الحقيقة هي غايتهم الأولى قبل المطالبة بمزيد من الغنائم على حساب الضحايا الحقيقيين. وليس مُهمًّا بعد ذلك أن يتم التراضي بين الخصوم على العفو أو التعويض ؛ لأن الجميع سيحققون النصر على جبهة معادية واحدة ، يمثلها الانتهازيون وسماسرة الدم ، الذين لا يفرقون بين الضحية وجلادها. ثم يبقى على الدولة أن تساعد الجميع في تحقيق ما تم التراضي عليه. ورغم أن هذا يتطلب قدرا كبيرا من الشجاعة والمروءة ، لكنه يبقى السلوك الصحيح الذي ينبغي أن يتحلى به المخلصون في تبنيهم للدفاع عن هذه الفئة. ولا ينبغي بحال من الأحوال أن يطمع أحد في تمجيد المجرمين تحت أي مسمى كان ، أو مكافأتهم على مخالفة القانون ، بل حقهم المحفوظ هو إنصافهم ، ويبقى العفو عنهم ، والتكفل بذويهم من الإجراءات التي تندرج في مشروع المصالحة الوطنية الذي يطمح للتكفل بالجميع كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.

5 ـ المفقودون :

وهؤلاء هم الضحية الحقيقية بكل معانيها ؛ لأنهم ظلموا أكثر من مرة ؛ مرة عند اعتقالهم من طرف مختطفيهم بغير وجه حق ، وبطريقة مخالفة للقانون، ومرة عندما عُذِّبوا وقُتِّلوا دون أن تثبت عليهم تهمة أو يحاكموا ، ومرة عندما حُرموا من أبسط حقوق الموتى على الأحياء ، وهو الصلاة عليهم ، والحفاظ على حرمة أجسادهم بدفنها . والمطلوب اليوم هو الاستماع إلى الشهود على عمليات اختطافهم ، وإعطاء المسؤولين عن اختفائهم فرصة الكشف عن حقيقة ما جرى ، ومبرراته ، والمشاركين فيه حتى تتحدد مسؤولية كل طرف ، ثم يتم اتخاذ الإجراءات المناسبة لإنصاف المظلومين أولا ، ثم التراضي على المصالحة مع ذويهم تحت رعاية الدولة. ولا ينبغي أن تكون خطورة الملف و تعقيده أو حساسيته عائقا ولا مبررا للالتفاف على حقيقة ما جرى لهذه الفئة المنكوبة من المواطنين ، وعدم تحديد المسؤولين عن اختفائهم. لأن ذلك لن يكون إجحافا في حق الضحايا وحدهم ، بل سيكون تبريرا لأعظم جريمة ضد الإنسانية وتشجيعا لمرتكبيها. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الأولوية في رد الاعتبار هي لقيمة المواطن الجزائري كإنسان سواء كان مذنبا أو ضحية، لأن التستر على المسؤولين عن هذه المأساة بذريعة انتمائهم إلى مؤسسات رسمية أو وظائف سامية لن يبرئ ذمتهم أمام العدالة، كما أنه لا يرفع عنهم صفة الجريمة حتى و لو حافظوا على مناصبهم. في حين أن اعتراف المذنبين بخطئهم و تبرئة ذمتهم بالتراضي مع ضحاياهم هو الاستعادة الحقيقية لاعتبارهم.

أما الضحايا من هذه الفئة ، فإن رد الاعتبار إليهم ، وكشف الحقيقة مكسب عظيم ، يجب أن يثمنه ذووهم ، ويستثمروه فيما يكرس العدل والتسامح بين الجزائريين ويتطلعوا إلى إعادة اللحمة إلى الأجيال القادمة من الشعب الجزائري؛ ويحذروا من الفجور في الخصومة ؛ لأنه أول خطوة على طريق الطغيان والظلم.

والمصالحة الحقيقية كما يجب أن تقوم على إعفاء المذنب من العقوبة بعد اعترافه، فإنها لا يمكن أن تقوم أبدا على السكوت عن جريمته والتستر عليها تحت أي مبرر .

6 ـ المساجين والمشردون :

تعتبر هذه الشريحة الشاهد الحي على حقيقة هذه المأساة الوطنية في أدق تفاصيلها ؛ لأن أغلب عناصرها تجنبوا التورط في العنف رغم وجودهم في قلب الأزمة ، ولكنهم فضلوا تحمل الأذى عن التورط في إراقة الدماء بغير مبرر صحيح .

وبمراجعة ملفات عشرات الآلاف من المساجين والمشردين سيثبت أن غالبيتهم الكبيرة غير مذنبين ، ويكفي في الدلالة على ذلك أن من بين هؤلاء جملة معتبرة من العجزة والقُصَّر والنِّساء !!

لقد تعرض أكثر هؤلاء لفضائع وفضائح على أيدي جزائريين مثلهم ما كانوا ليصدقوها لو لم يعيشوها بأنفسهم ! انتهت بعدد كبير منهم إلى الموت بأبشع صورة !

أما من كان محظوظا منهم وتمكن من الإفلات من قبضة التعذيب والقتل تلك ، وغادر الجزائر طالبا اللجوء في دولة أجنبية ليقضي بقية حياته بعيدا عن بلده وأهله وكل ما يملك ماديا ومعنويا ، فقد تم التحريض ضدهم ووصفهم بأبشع الأوصاف ، حتى أصبحت الجنسية الجزائرية تكفي وحدها تهمة ليتعرض صاحبها إلى المضايقة والتحقيق والمراقبة ..

علما بأن كثيرا من هؤلاء إنما غادروا بلدهم تجنبا للفتنة ، أوبحثا عن منبر حر يسدون من خلاله النصح ، ويعبرون عن نظرتهم لواقع بلدهم ، ووجهة نظرهم في الحل الأمثل للخروج من الأزمة ، مع فضح آلة القتل والدمار والهمجية التي أتت على الأخضر واليابس ، وهذا من صميم ما تقتضيه المواطنة الصادقة .

إن الحكمة تقتضي التعامل مع هذا الطرف باحترام ، وفتح أبواب القنصليات والسفارات الجزائرية أمامهم لتصحيح أوضاعهم وأوضاع أبنائهم الإدارية ، ليتمكنوا من أداء واجباتهم و ممارسة حقوقهم التي يكفلها لهم القانون كجزائريين ، وهذا من صميم واجبات الدولة تجاه رعاياها خارج الوطن. و الحقيقة المرة التي لا يخطئها المتأمل في وضع هذه الفئة ، أنها تمكنت من التعايش مع المجتمعات الأجنبية التي احتضنتها و أصبحت مصدر عطاء و إثراء في مختلف المجالات في الوقت الذي حرمت الجزائر من عطاء أبنائها بسبب هذه الفتنة العمياء.

وكذا السجناء فإنه ينبغي إخلاء سبيلهم ، وإسقاط المتابعة عنهم على أساس ما سبق بيانه ، لأن ذلك سيتيح فرصة ثمينة لكل مواطن قادر على إثبات جدارته في تحقيق طموحاته المشروعة بعيدا عن العنف ومخالفة القانون ، و يتيح للجزائر الاستفادة من كل أبنائها.

هذه هي الأطراف التي عليها مدار الأزمة في تلك العشرية ، والتوصل إلى تراضي هذه الأطراف وتصالحها هو الأرضية السليمة التي يمكن أن يقوم عليها أي بناء وطني جماعي واعد ، عديم للاختراق ، ومضاد للتآكل. لذلك فإن توفير الظروف المناسبة لوضع هذه الأرضية مطلب حيوي لا يمكن التفاؤل بنتائج مشروع المصالحة من دونه.

فرد الاعتبار للدولة الجزائرية السيدة وتمكين مؤسساتها من ممارسة صلاحياتها الدستورية كاملة ، والفصل بين السلطات ، ورد الاعتبار للقانون ، وإلغاء العمل بالمراسيم والتعليمات الاستثنائية والعرفية الصادرة منذ اندلاع الأزمة ، وتطهير مراكز القرار من العناصر الفاسدة والانتهازيين ، وإنشاء هيئة وطنية مستقلة تملك القوة القانونية والتنفيذية التي تمكنها من الوصول ، والحصول على كل ما تقتضيه معالجة وتصفية الملفات، كلها عناصرأساسية لنجاح هذا المشروع.

إن على الشعب الجزائري بجميع فئاته وهيئاته أن يتعامل مع هذا المشروع بإيجابية تامة ، ويوظف جميع إمكانيات التواصل المتاحة للتناصح المخلص ؛ فالمذنبون والمخطئون من أي طرف ، مطالبون اليوم أن يراجعوا أنفسهم ، ويتأكدوا من أن الإصرار والتمادي في الظلم والخطأ ، مسلك يائس سيعود على أصحابه في النهاية بالوبال ، مهما طال الزمن ، كما أن الاعتراف بالخطأ فضيلة لا تنقص من قدر صاحبها ، بل تحسب له وتفتح أمامه آفاقا جديدة لفعل الخير يتدارك بها نفسه ، وينفع بها غيره.

وهنا ينبغي تثمين التعاون الإيجابي بين رئيس الجمهورية وبعض الإطارات العسكرية والمدنية ، التي لولا اقتناعها بجدوى المصالحة لما تمكن الرئيس من إنجاز جزء معتبر من مشروعه.

أما الساعون إلى تحقيق المصالحة أو المكلفون بما تتطلبه من إجراءات فإن عليهم أن يشعروا بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقهم ، ويحتاطوا لأنفسهم من الانزلاق ؛ لأن الطريق حرجة ، والتثبت فيها أساس كل شيء. وقد سبق في السير على هذا الطريق اكثر من لجنة وطنية ، صرفت أموالا ، وأضاعت أوقاتا في الدوران حول نفسها ، وأضافت إلى معطيات الأزمة مزيدا من التعقيد والغموض ، ثم اختفت كما ظهرت دون أن تقدم شيئا مما أنشئت لأجله . ولذلك فإن المتصدين لحمل هذه الأمانة مطالبون بنذر أنفسهم لخدمة الجزائر والتعامل مع جميع الأطراف على أساس المواطنة والأخوة لا فرق بين رئيس ومرؤوس في ميزانهم ، إلا بما يخدم الحقيقة والمصالحة ، راجين التوفيق والأجر من الله.

وفي الختام ، لا بد من الإشارة إلى أن الأزمة جزائرية بحتة ، وستبقى كذلك مهما حاول المتورطون فيها أن يوسعوا دائرة تداعياتها ، لحاجات في أنفسهم ، ويقحموا فيها من لا علاقة له بها ، من الأجانب بغية تدويل القضية بطريقة غير مباشرة ، وإتاحة الفرصة للنفوذ الأجنبي عسكريا بعد أن أصبح نفوذه اقتصاديا وثقافيا و اجتماعيا أمرا واقعا. ولكن الشعب الجزائري بالتصالح مع ذاته ، والتفافه حول دولته ، وتعاونه على الخير سيكون قادرا ـ بعون الله ـ على احتضان جميع أبنائه و ردهم إلى الحق بالحكمة و إعادة الأمور إلى نصابها, واسترجاع كل المكتسبات التي سلبت منه في ظروف المحنة الأليمة بالوسائل الشرعية السلمية والمتحضرة ، وسيثبت من جديد للقريب والغريب أنه شعب رائد للخير والعدل .

والله الموفق ، وهو الهادي إلى سواء السبيل.