Ahmed Chouchane

الصفحة الرئيسية

اعتقال المقدم سمراوي الدلالة والاثر

كلمة في تفجير مقر الحكومة بالعاصمة الجزائرية

تعليقات على القانون الأساسي للمستخدمين العسكريين

الأولوية للجزائر

عوضكم الله عن بعضكم خيرا

اللهم قد بلغت اللهم فاشهد

لسان الحال يطالب شهداء الثورة بالاعتذار لفرنسا

رسالة الى السيد رئيس الجمهورية

كلمة في العفو الشامل

كلمة في الذكرى الـ 13 لماساة الجزائر

Ahmed Chouchane

Algeria
Ahmed Chouchane
Algeria

صوت الجزائر | أحمد شوشان

ـ 13 ـ

الأزمة الجزائرية

شاهد من قلب الأحداث

 

بقلم : النقيب أحمد شوشان | صوت الجزائر | الاحد 17 أوت  2008

الفصل الرابع

الجزء الثالث

الهجرة من الجزائر

سميتها الهجرة لأنني لم أقرر التنازل عن حقي في المواطنة بعد، و إنما هي انسحاب مؤقت بنية العودة إن شاء الله. فقد تأكد لي بما لا يدع مجالا للشك بأن بقائي في الجزائر لا يعني سوى أحد أمرين. فإما أن أقبل التعاون مع سلطة تصر على التعامل مع شعبها كسلطة احتلال عسكرية حقيقية و تعتمد في سياستها للأزمة كل الوسائل القذرة و بالتالي أساهم في قتل المواطنين استجابة لنزوات ذكور و إناث لا خلاق لهم و لا دين و لا ضمير. و إما أن ألتحق بجماعات مسلحة لا عهد لها و لا شعار غير القتل و التخريب تحت شعار الاسلام. علما بأن في الطرفين عناصر مخلصة و أخرى مضلله أو مكرهة و لكنها لا تسمن و لا تغني من جوع في المفازة التي توغلت فيها الازمة.

و كان أول ما قمت به هو الاتصال بعمي المجاهد الفاضل أبي عثمان رحمه الله و الذي غادر الجزائر سنة 1993 إلى إفريقيا، و ذلك من أجل استطلاع الموقف في الخارج قبل تحديد وجهتي في المستقبل. و من المفيد أن أقف مع هذا الجزائري الوفي لوطنه الذي ظلمته الدولة الجزائرية مثل ما ظلمت غيره من المخلصين  ظلما يستوجب نقمة الله من القائمين عليها منذ الاستقلال.

الاستاذ محمد الأخضر شوشان رحمه الله

أصغر أبناء العلامة الشيخ محمد الطاهر شوشان من مواليد سنة 1937 زاول تعليمه بمدرسة الحياة و حصل على الثانوية العامة بمعهد الحياة بالقرارة. تطوع لتدريس ابناء البلدة بدلا من الابتعاث إلى جامعة الزيتونة و هو في السادسة عشر من عمره قبيل اندلاع الثورة التحريرية. و منعه شقيقه الأكبر المجاهد الحاج ابراهيم من الالتحاق بجيش التحرير رغم إلحاحه إشفاقا على أمه المجاهدة الحاجة أم الخير رحمها الله التي لم يكن للثورة جحر ترأز إليه غير بيتها المتواضع قصر القرارة. فتحدى هذا الشاب كل العوائق و التحق بجيش التحرير بمبادرته الشخصية عن طريق الحاج سلامة الذي جنده لدى قيادة الولاية السادسة فكان أحد كتابها و شارك في معارك مع قائدها العقيد محمد شعباني رحمه الله في جبل بوكحيل و جبال الكرمة. و بعد الاستقلال عين مسؤولا عسكريا و سياسيا في كل من غرداية و المنيعة و ورقلة حيث تم اعتقاله لمدة أسابيع في الحملة التي طالت العقيد محمد شعباني و مساعديه سنة 1964 بتهمة العمل على فصل الصحراء الباطلة التي أعدم شعباني ظلما و عدوانا بسببها و بقي مساعدوه الذين يشكلون اليوم الأمانة الوطنية لمنظمة المجاهدين 18 سنة في السجن قبل أن يطلق الشاذلي بن جديد سراحهم و يرد إليهم الاعتبار.

في هذه الحملة لم يسجن المجاهد محمد الأخضر شوشان و لم يعدم لأنه لم يكن من سكان بسكرة و لكنه رفض الخدمة في المؤسسات السياسية للسلطة الحاكمة بعد ما تعرض له هو من إهانة و تعذيب و وفاء لقيادته التي يعرف إخلاصها للجزائر قولا و عملا في الحرب و السلم. فاعتزل السياسة و انخرط في سلك التعليم مربيا ابتداء من سنة 1965 و بقي فيه إلى سنة  1992و استكمل دراسته الجامعية خلال هذه الفترة.

و في سنة 1990 و اغترارا بما قام به الشاذلي بن جديد من مبادرات لرد الاعتبار للمواطن الجزائري و التي كان آخرها فتح المجال للتعددية السياسية و نزولا عند رغبة كثير من المواطنين عاد رحمه الله إلى العمل السياسي كرئيس لمكتب الجبهة الاسلامية للانقاذ بالمنيعة ثم انتخب رئيسا لمكتبها الولائي بغرداية ثم عضوا لمجلس الشورى المنبثق عن مؤتمر الوفاء بباتنة سنة 1991.

تعرض للاعتقال التعسفي بعد إضراب الجبهة في جوان  1991 ثم أطلق سراحه لتحضير الانتخابات البرلمانية. و بعد انقلاب يناير 1992 داهمت قوات الدرك و الجيش منزله في المنيعة عدة مرات دون أن تتمكن من اعتقاله فاستهدفت اجهزة الأمن ابنيه محمد الطاهر و عبد الحليم الذين قضيا بين معتقلات الصحراء ثلاث سنوات بدون وجه حق.

و هنا أفتح قوسا لأسجل أن هذا الرجل المجاهد كان عضوا في مجلس الشورى الوطني للجبهة و كان عمي و صهري و استاذي و مع ذلك لم يحاول استغلال علاقته بي لتوظيفها في خدمة حزبه كما يفعل الخونة و الخائنات الذين استباحوا كل شيء من أجل إشباع نزواتهم الجامحة في إقامة جمهورية الرذيلة و الفساد و المخدرات و الرشوة.  و  لذلك فإنه لم يعلم رحمه الله بعلاقتي بالحركة الاسلامية المسلحة إلا بعد أن اعتقل عبد القادر حشاني؛ حيث أخبرته بأنني مع بعض المخلصين من ضباط الجيش  قادرين على القضاء على الشرذمة التي تريد أن تخلط الأمور في البلاد و مستعدون لفعل ذلك بالتعاون مع الحركة الاسلامية المسلحة إذا كان هناك من يتحمل المسؤولية على تبعات ذلك. فأجابني رحمه الله بكل مسؤولية: لا أحد يتحمل عنك المسؤولية على دماء الناس يا ولدي. فإن كنت قادرا على  فعل شيء من أجل بلدك فكن مستعدا لتحمل المسؤولية على تبعاته وحدك و إلا فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

بعد أن تكثفت مداهمات الأمن لبيته و تم ترويع أهله دون ان يظهر في الأفق ما يوحي بالإنفراج في الازمة غادر الجزائر عبر الصحراء الكبرى في مغامرة كادت تودي بحياته و حط الرحال بالنيجر حيث التقى بالحاج حسن رحمه الله أحد انصار المشروع الإسلامي المخلصين و الذي كان يحضر لإنشاء قاعدة لإيواء و تدريب الاسلاميين المهاجرين في المنطقة الحدودية بين الجزائر و النيجر. و قد مكث معه اشهرا قليلة تأكد خلالها من عدم جدوى بقائه هناك فانتقل إلى غانا بمساعدة ابنه الأكبر الدكتور عثمان المقيم في المملكة العربية السعودية آنذاك. و قد اكمل رسالته التربوية و الدعوية في غانا و استقر به المقام بعد ان تزوج غانية من أهل البلد و استطاع بالتعاون مع إدارة المنتدى الإسلامي بناء مدارس و مساجد و حفر آبار و كفالة ايتام و غير ذلك من الأعمال الخيرية التي ما زال المسلمون في غانا يستفيدون منها. و بقي هناك حتى سنة 2000 حيث سافر إلى بريطانيا و حصل على حق اللجوء السياسي فيها و بقي استاذا للغة العربية في أحد معاهدها الجامعية إلى أن اقعده المرض سنة 2007 و توفي في شهر جوان 2008 رحمه الله و غفر له.

هذا الرجل المعطاء الذي امتد نفعه من قلب الصحراء في الجزائر إلى أدغال إفريقيا و أعالي بريطانيا تخرج على يديه عشرات الآلاف من الرجال و لا تسمع أحدا يذكره من الجزائر أو من خارجها إلا أثنى عليه خيرا. إنه رجل لم يؤذ أحدا في حياته و لم يكلف أحدا شيئا بل كان يكلف نفسه في سبيل التخفيف عن الآخرين دون رياء و لا امتنان. و رغم انه كان في موقع المسؤولية الذي يمكنه من الاستيلاء على املاك الناس و اختلاس اموال الدولة بعد الاستقلال و رغم أنه لم يعرف البطالة في حياته الممتدة واحدا و سبعين عاما و رغم انه كان على علم بقنوات جمع المال و الطريق إلى جيوب المحسنين من اغنياء المسلمين في الخليج و غيره فإنه توفي و ليس بحوزته عقد ملكية للبيت الذي يسكنه هو و عائلات اولاده و بناته في المنيعة فضلا عن غيرها. بل رحل و في ذمته ديون لدى اثنين من خاصة معارفه.

هذا الرجل المجاهد النقي اتهمته أجهزة الأمن في الجزائر بالإرهاب و المشاركة في عمليات السطو و القتل و طالبت برأسه مقابل مكافأة مالية و علقت صوره في مخافر الأمن و اقتحمت بيته على النساء و الأطفال في منتصف الليالي بعد أن اعتقلت و شردت جميع الرجال من أهل بيته و حكمت عليه بجميع العقوبات ابتداء من الإعدام و انتهاء بعشرين سنة سجنا مرورا بالمؤبد. فهل بعد هذا يتساءل عاقل لماذا يتعرض عناصر الأمن و من تواطأ معهم للاغتيال من طرف المسلحين؟ ايحلمون أن يتحلى كل الشباب الجزائري بصبر و حلم هذا الجبل الشامخ؟ و هل يجرؤ القضاة الذين أصدروا تلك الأحكام على تبرير فعلتهم الشنيعة امام الناس في الدنيا؟  و من سيشفع لهم امام الله يوم القيامة؟ و أسأل هنا أهل المنيعة كلهم و الذين أقام هذا الرجل الفاضل بينهم منذ الاستقلال: هل عرفتم رجلا أنظف يدا و أعف نفسا و اسلم قلبا من هذا الرجل بينكم أنتم السكان الأصليون في المنيعة أو من غيركم من الوافدين على البلاد من مستخدمي الدولة و على رأسهم عناصر الأمن و بدون استثناء؟ إنه لا يسعكم غير النفي و من قال غير ذلك فهو كذاب و شاهد زور بكل تأكيد.

إن ما تعرض له هذا الرجل و أمثاله في جزائر الاستقلال من موجبات المقت و النقمة من الله. و ما دام الناس يشهدون الزور خدمة للباطل و يبجلون الحقير الفاسق و لا يعرفون لأهل الفضل حقهم  فأنى لهم أن يطمعوا في لطف الله و عفوه؟

 

رحلة الخروج

إستحسن عمي فكرة مغادرتي الجزائر و لكنه طلب مني التريث نظرا لخطورة الرحلة التي عادة ما تكون مع مهربين من المحتمل أن يقعوا في كمائن دوريات الدرك و الجمارك أو حتى قطاع الطرق من الطوارق و الأزواد المنتشرين على الحدود الجنوبية للجزائر. و لكنني لم أكن استطيع التأجيل  بعد ما حصل بيني و بين مديرية امن الجيش فقررت أخذ المبادرة بنفسي.

كان واضحا للجميع أن وضعي خاص جدا. فأما الاسلاميون فكانوا واثقين بأنني من أهل الحق و لا يمكن أن أنحاز إلى الباطل مهما كان الثمن. و لذلك فقد بقيت علاقتهم بي على حالها و لم تتغير بل ازدادوا مني قربا لأنهم استانسوا بإطلاق سراحي و رد الاعتبار لي كما بدا لهم. أما أتباع السلطة فقد وقعوا في حيرة عندما رأوني آكل الطعام و أمشي في الاسواق بعد كل ما حدث. و زاد من حيرتهم ما لا حظوه من تهيب أجهزة الأمن من الاقتراب من بيت عمي الذي قضيت فيه مدة غير قصيرة.

في هذه المرحلة لجأت إلى بيتنا عائلة من أم و ثلاث بنات و صبي. هذه الأم اعتقل ابنها الأكبر و هو معيلها الوحيد بتهمة الانتماء إلى جماعة مسلحة سنة 1992 و سجن في السجن العسكري بالمرسى الكبير و فر منه سنة 1993 ليجد نفسه في حضن الجماعة الاسلامية المسلحة بقيادة  عبد الرحيم في غرب الجزائر. و منذ ذلك الحين اعتقلت الشرطة أخاه الثاني و فرضت على العائلة المحافظة المسكينة حصارا مشددا لتبقى الأم و بناتها التي بلغن سن الشباب عرضة لفضول حراس الجمهورية الأشاوس الذين لا يحلو لهم ترويع الغلابى إلا بعد منتصف الليل. و لما وصل عبد الحكيم إلى المنيعة و علم بما تتعرض له عائلته من طرف الشرطة التحق بالجماعة المسلحة هناك و طلب منهم مساعدته في تهريب عائلته خارج الجزائر فوعدوه بذلك. و لكن النافذين في الجماعة نقضوا العهد و ساوموه على الزواج من أخواته الثلاث فرفض، و لما حاولوا إرغامه تمرد عن الجماعة و انفصل عنها. و منذ ذلك الحين أصبحت الأم و بناتها بين مطرقة السلطة و سندان الجماعة فلجأت المكسينة و بناتها إلى بيت عمي فرارا بدينها و عرضها.

و قد كانت هذه العائلة المنكوبة عقبة في طريق خروجي لأن بقاءها في البيت بعد ذلك سيعقد الأمور على الجميع و لذلك كان التفكير في مصيرها جزء من مشروع الهجرة.

أول خطوة قمت بها كانت دراسة منطقة العبور على الخريطة ثم استئجار دليل موثوق عارف بطرق دوريات الحراسة و مراقبة الحدود. و قد تمكنت بمساعدة بعض الأقارب بالوصول إلى أقدم خريت في الصحراء الكبرى قضى أكثر من ستين عاما بين شعابها اسمه عبد الرحمان و يسميه سكان المنطقة بالضب. كان في وضع حرج بعد أن صادرت مصلحة الجمارك كل ممتلكاته التي جمعها خلال ستة عقود من التجارة الشرعية و غير الشرعية. فاتفقت معه على تأمين كل شيء متعلق بالرحلة مقابل أربعين مليون سنتيم ادفع له منها عشرة ملايين مقدما لتجهيز نفسه. و كان هذا المال ثاني عائق أمامي لأنني لم أكن أملك سنتيما واحدا فاضطررت إلى استلاف المبلغ كاملا بمساعدة أخي الدكتور محمد الطاهر.

أما بالنسبة لتلك العائلة فقد التقيت بولي أمرها عبد الحكيم و كان مسلحا بمسدس رشاش من نوع كلاشنكوف و بحوزته حوالي 400 طلقة متنوعة و قنبلة يدوية.  و روى لي قصته كاملة و طلب مني مساعدته على إخراج أهله من الجزائر فاقترحت عليه أن يصحبني في رحلتي شريطة أن يوفر وسيلة نقل لسفر عائلته فاستشارني في كيفية الحصول عليها فنصحته أن يحصل عليها بالمعروف فإن تعذر عليه ذلك فليتجنب الإعتداء على مال أو عرض أو دم أي مواطن فإن مأساة أهله لا يجوز حلها على حساب الآخرين. و فعلا استطاع بالتعاون مع اثنين من الشباب أن يستولي على سيارة ميدانية من نوع تويوتا ستايشن تابعة للدولة دون إراقة دماء.

 و هكذا أصبح المعنيون بهذه الرحلة مجموعتين مسلحتين تتكون الأولى من عبد الحكيم و أمه و أخواته الثلاث و أخوه الأصغر و الشابين الذين ساعداه في الاستيلاء على السيارة و معهم سلاح عبد الحكيم أما الثانية فتكونت زيادة عني أنا من الدليل و سائقه مزودين بسلاح رشاش آخر وفره الدليل لتأمين الرحلة.

و قد فشلت أول محاولة للخروج عندما تأخر الدليل عن الموعد المحدد نتيجة للحصار المضروب على المنطقة. و قد كانت تجربة قاسية لأننا تواعدنا على اللقاء 80 كلمترا في عمق الصحراء في منتصف الليل. و كانت مخارج المنيعة كلها مغلقة و نظام منع التجول ساري المفعول. و رغم أن خروجنا كان سهلا بعض الشيء لأننا رتبنا كل شيء مسبقا إلا أن اقترابنا من المدينة عند العودة مع اقتراب الفجر و دخولنا إليها كان عملا في منتهى الصعوبة و الخطورة خاصة و أن معنا نساء لم يتعودن أبدا على مثل هذه المواقف. و لكن هذه التجربة الميدانية كانت مساعدة لنا جدا في محاولتنا الثانية التي كانت موفقة بعون الله.

اخترقنا المنطقة الصخرية بين طريق عين صالح و طريق أدرار بحذر شديد و نحن في وضعية قتال لأن أي تماس بيننا و بين أي دورية لم يكن يعني سوى شيئا واحدا هو القتال حتى الموت و قد تعاهدنا على ذلك قبل الانطلاق ليكون الجميع على بينة من الأمر. حتى النساء فضلن الموت على البقاء في الجزائر عرضة للابتزاز و المساومة على شرفهن. و رغم ذلك لم تخل رحلتنا من الفكاهة لأن الدليل كان قد جاوز السبعين و كاد يفقد بصره تماما و كنت أصف له وضع النجوم و تضاريس الأرض لتحديد وجهته و لكنه كان أحيانا يختلط . و من ذلك أنه تأمل تجمعا للنجوم مرة و ظنه " الدب الأكبر " الذي يسميه الناس عندنا " الناقة " فقال لي : هذه هي الناقة و لذلك فإن علينا الاتجاه من هنا. فقلت: يا عمي عبد الرحمان الظاهر أن ناقتك طايرة لإنني لا أرى لها أرجلا و إنما أجنحة.... و قد اصطحبت معي خريطة و بوصلة ساعداني على التحرك بثقة كاملة و الحمد لله.

بعد يومين وصلنا إلى منطقة جبلية مظلمة اسمها " آهنت" تمتد شرقا إلى عمق التراب الليبي و جنوبا إلى حدود تشاد و لكنها لم تكن وجهتنا، فخيمنا فيها أسبوعا كاملا تم خلاله استطلاع المنطقة الحدودية المحاذية لدولة مالي و استحدثنا نقاط للتزود بالوقود و الماء.

في هذه المنطقة يمكن لجيش كامل أن يتمركز دون أن تتمكن أية قوة في الأرض أن تقضي عليه إلا بالانتشار داخل شعابه و احتلاله بعد دفع خسائر بشرية و مادية لا تقل عن عشرة أضعافه. و لذلك فإن المراهنة على القوة لاستتباب الأمن في الجزائر سواء في الصحراء أو في الشمال وهم يملأ رؤوس الحمقى وحدهم.

بعد ذلك قمنا بعملية اختراق طويل لمفازة " تانزروفت" الممتدة غربا أكثر من 500 كلمتر بين " جبال آهنت " و "عرق الشاش الكبير" ثم اقتحمنا عرق الشاش جنوبا في اتجاه " الحنك" من تراب مالي الذي هو عبارة عن صفائح قاطعة من الصخور البركانية تمتد عشرات الكيلمترات  في اتجاه الصحراء الغربية. ثم انحدرنا من الصحراء الغربية في اتجاه الجنوب نحو منطقة الزويرات الموريتانية. و قد دامت  المرحلة الأخيرة من رحلتنا أسبوعا كاملا من المغامرة بلياليه تفادينا أثناءها التماس مع دوريات الحراسة الجزائرية و المالية و نقاط المراقبة الموريتانية كما قدمنا المساعدة لبعض المتخلفين من المشاركين في رالي دكار و السواح العرب المتوغلين للصيد في شمال مالي.

خيمنا على مشارف الزويرات ثلاثة أيام قام خلالها الدليل بترتيب دخولنا بعد أن استأذن المعنيين بالأمر وفق الأصول المعمول بها واستأجر لنا بيتا هناك.

أخبار من موريتانيا

لم أصدق لحظة ما كان الناس المضللون بوسائل الاعلام في ذلك الوقت يتداولونه من أخبار عن العمليات القتالية التي تقوم بها الجماعة الإسلامية المسلحة في الجنوب خاصة ما كان يتعلق منها بالسطو على شركات البترول في الصحراء و سرقة السيارات منها. و لكنني لم أستطع أن أقيم الدليل على عكس ذلك حتى وصلت إلى موريتانيا و رأيت تلك السيارات و سارقيها بأم عيني.

فقصة السطو على الشركات و سرقة السيارات منها و تهريبها إلى موريتانيا و بيعها باسعار زهيدة سابقة عن الأزمة السياسية و لكنها جزء من الأزمة الأم. فالقضية تتعلق بمجموعة من الشباب المهربين الذين كانوا يشتغلون بالتعاون مع أعوان الجمارك و الأمن يتقاسمون معهم أرباحهم بل إن بعضهم كانوا من الأزواد يحملون وثائق جزائرية رسمية. و فجأة استفاقت الدولة سنة 1990 و قررت شن الحرب على المهربين. و بين عشية و ضحاها وجد أولئك الشباب أنفسهم يفترشون الأرض و يلتحفون السماء و مطالبين من طرف شركائهم من مستخدمي الدولة برشوة لإطلاق سراحهم من السجن زيادة على الخسائر. و مما زادهم غيظا و حقدا أن أولئك المستخدمين الذين يعرفون عنهم كل شيء أهانوهم و عذبوهم باسم القانون الذي كانوا هم أول من داسوا عليه. و أنا لا أتكلم عن مبالغ بالملايين و إنما عن رشوة بمئات الملايين للفرد الواحد. و كما هي العادة أطلق سراحهم في النهاية. يقول زعيم هذه المجموعة لقد قررت أن أستعيد المال الذي سلبوه مني بالقوة بنفس الطريقة. و هكذا تشكلت هذه المجموعة من ستة شباب من أعرف الناس بتلك الأرض و أمهرهم في سياقة السيارات الميدانية و أجرئهم على المغامرة و بدأوا بالاستيلاء على سيارة واحدة رتبوا بها أوضاعهم ثم أصبحوا يدخلون من موريتانيا بسيارة واحدة و يخرجون من الجزائر بستة سيارات من نوع كروزر بينما أجهزة الأمن و الجمارك و مراقبة الحدود تعلق فشلها و خيبتها على شماعة الإسلاميين.

أما بيع مسروقاتهم فيتكفل به قريب الرئيس الموريتاني معاوية ولد الطايع الحاكم الفعلي في الزويرات. فلديه حظيرة شاسعة تستقبل السيارات و تضبط لها أوراقها ثم تعيد بيعها للشخصيات الفاسدة التي تعج بها دول إفريقيا. هكذا كانت البداية إلى أن تنبه لها أمير جماعة المنيعة  سنة 1995. فأصبحت الجماعة تستولي على السيارات و الناقلات و تقايضها بالسلاح في موريتانيا بعد أن كانت تشتري السلاح بدفع الثمن نقدا لضباط الجيش في النيجر و مالي و مقاتلي التوارق و مقاتلي البوليزاريو.

بعد وصولنا كان لابد لنا من ضبط وضعيتنا الإدارية حتى نتمكن من التحرك. فقابلت الحاكم الفعلي و تحدثت معه عن رغبتنا في الحصول وثائق مدنية فقال لي أنتم في ضيافتي و لن تحتاجوا للوثائق فعلمت أننا طرقنا الباب الخطأ خاصة عندما قال لي بأنه سيشتري الس